نسخة للطباعة أرسل لصديق     عدد القراء 374

الرئيسية >> حديث الشهر

كيف تدير حكومات مجلس التعاون موارد المجتمع ؟

إقرأ للكاتب أيضا

أضيف بتاريخ :
 

     كيف تدير حكومات مجلس التعاون  موارد المجتمع ؟

ليس مستغربا أن لاتتصف حكومات دول مجلس التعاون الخليجي بالرشد الأقتصادي اذا تذكرنا انها حكومات لاتمثل شعوبها ولاتعكس مصالح هذه الشعوب وبالتالي فهي لاتخضع لأي نوع من المساءلة والمحاسبة الشعبية التي تجعلها ترتقي في كفاءة استخدامها لموارد المجتمع وسنحاول في حديثنا هذا الشهر أن نوضح مظاهر واسباب الأخفاق الأقتصادي لهذه الحكومات كمابينا في حديث الشهر الماضي اخفاقها في تمثيل شعوبها ومشاركتهم في قراراتها . وفي ما يلي سنتحدث باختصارعن مجموعة من المؤشرات التي سيتضح من خلالها أن الحكومات الخليجية لم تكن رشيدة في استخدماها لموارد هذه المجتمعات .

اذا تذكرنا من حديث الشهر الماضي أن حكومات دول المجلس لاتشارك شعوبها في القرار، وبالتالي فسياساتها هي تعبير عن رغبات ومصالح الفئات الحاكمة أكثر منها تعبيرا عن مصالح شعوب المنطقة ، فليس من المستغرب أن يؤدي ذلك الى غياب المساءلة والمحاسبة في الكيفية التي تدير بها هذه الحكومات موارد هذه المجتمعات وتكون الحصيلة النهائية لأكثر من ثلاث حقب من التنمية هي مزيج من الهدر والفساد والبطالة بين الخريجين والأزمات المالية المتكررة ، ذلك طبعا بالأضافة الى تحول المنطقة الى قصعة نفطية تتداعى عليها دول العالم . الآن هل في مقولتنا هذه اجحاف في حق هذه الحكومات ؟ لنتأمل بعض المؤشرات التي تعتمد في الأدبيات الأقتصادية وتدل على درجة الرشد الأقتصادي للحكومات في ادارتها لموارد مجتمعاتها . فالنمو الأقتصادي الذي يقاس بالتغير في قيمة الناتج المحلي أو يقاس بدخل الفرد وهو حاصل قسمة الناتج على عدد السكان ، هذا المؤشر هو افضل مقياس لكمية انتاج المجتمع من السلع والخدمات التي يستهلك جزءا منها ويصدر الباقي لشراء حاجاته من السلع والخدمات التي لايستطيع انتاجها . وبالتالي اذا زاد حجم انتاج مجتمع ما من السلع والخدمات هذا العام عن العام الماضي فان هذا يعني ان هناك نموا ايجابيا في قيمة الناتج واذا تراجع حجم هذه السلع والخدمات فان هذا يعني ان لدينا نموا سالبا واذا استمر هذا النمو السالب لربعي سنة أي لستة أشهر فاننا امام ركود اقتصادي . والنمو الذي نتحدث عنه هنا ليس النموالمتقطع أو المنخفض لأن النمو المتقطع لايساعد على استمرار التحسن في مستوى المعيشه ولايؤدي الى التحولات الهيكيلية المطلوبة للوصول الى اقتصاد متطور ، اما النمو المنخفض فهو كذلك لايجدي لأنه اذا كان اقل من معدل النمو السكاني فان هذا يعني أي زيادة في الدخل تستهلك من قبل المواليد الجدد بدل أن ترفع من مستوى استهلاك وانتاج الموجودين من السكان ، من هنا تأتي ضرورة ارتفاع معدلات النمو التي لاتبقي مستوى معيشة السكان ثابتا كما في حالة تساوي معدلات النمو السكاني لنمو الناتج أو متراجعا كما في حالة زيادة معدلات النمو السكاني على نمو الدخل ، وانما ينبغي أن تكون معدلات نمو الدخل أعلى من معدلات النمو السكاني ليزداد دخل الفرد بصورة مضطردة ، ومع هذه الزيادة تحدث التحولات الهيكيلة كالأنتقال من الأعتماد على مصدر وحيد للدخل الى اقتصاد متنوع في هيكله ، ومن موارد بشرية منخفضة المهارات الى قوى عاملة تتصف بتنوع وتطور المهارات تؤدي الى زيادة الأنتاجية ، ومن مؤسسات بسيطة الى مؤسسات متنوعة ومترابطة وغيرها من مظاهر التحول الى اقتصاد متطور . فهل يمكننا القول اذن ان حكومات الدول الخليجية استطاعت ان تحدث نموا اقتصاديا ادى الى النتائج التنموية المرجوة ؟ الحقيقة ان الأجابة هي بالنفي وحتى لاننخدع ببعض الطفرات النفطية التي عاشتها هذه الدول منذ بداية السبعينيات وكانت آخرتها الفترة ما بين 2003 و2007 ، لابد لنا من تأمل فترة زمنية طويلة بعض الشيء لنرى ما حصل فعلا في قيمتي الناتج ودخل الفرد في هذه الدول . فتقارير صندوق النقد الدولي تشير الى ان الدول النفطية بما في ذلك دول المجلس كانت اقل دول العالم نموا في كل من الناتج الأجمالي ودخل الفرد خلال الفترة ما بين 1975 و2000 باستثناء الدول الأفريقية الأكثر فقرا . ولم تكن معدلات النمو في كل من الناتج ودخل الفرد في هذه الدول منخفضة فقط وانما كانت متذبذبة مما يعني أن هذه الدول ظل جميع نشاطها الأقتصادي مرتبطا باسعار النفط وايراداته الى يومنا هذا ، فكلما ارتفعت اسعار النفط وايراداته عاشت هذه الدول طفرة اقتصادية انتشرت في كل مناحي الحياة على شكل زيادة في قيمة الناتج لأن كل هذا الناتج تقريبا هو نفط وليست فيه منتجات أخرى تصحح المسار وتساعد على الأستقرار ، فلو كانت هذه الدول قد احدثت تنوعا فعليا في هياكلها الأقتصادية بانتاج البتروكيمايات والنفط المكرر بكميات كافية وبقية الصناعات المرتبطة بالنفط لوجدنا ان الناتج ودخل الفرد سيكونان اقل تأثرا بتصدير النفط وبالتغييرات التي تحصل في اسعاره وايراداته ولكن استمرار هذا التبذب في معدلات النمو هو دليل قاطع على أن النفط لازال يمثل عصب الحياة في هذه الدول وهذا ما تؤكده نسبة النفط في القيمة الأجمالية للناتج ، وقيمة الصادرات النفطية في اجمالي الصادرات ، واخيرا تؤكده قيمة الأيرادات النفطية في اجمالي ايرادات الموازنات العامة . الأشكالية في هذا الأعتماد المفرط على النفط كمحرك للنشاط الأقتصادي هي أن مسيرة التنمية تكون اسيرة تقلبات اسعاره في المدى القريب واسيرة نضوبه وتطوير بدائل له في المديين المتوسط والبعيد ، وبالتالي فاستمرار الوضع الحالي في هذه الدول مآله كارثي على الأجيال الحالية والمستقبلية لأننا لازلنا غير مستعدين لحقبة ما بعد النفط ، بل واننا لم نبدا جديا في عملية الأستعداد هذه ، ذلك على الرغم من كل الدعايات الرسمية ، وعملية الأستعداد التي نتحدث عنها تحتاج لحقب زمنية قد نفاجا خلالها بأن حتى المخزون الحالي فيه مبالغة وعدم دقة وعدم توفر التقنية للحصول عليها أو اي عامل آخر لم يكن في حسباننا . أن المعادلة البسيطة التي يجب ان يفهمها كل خليجي هي ان النمو وما ينتج عنه من استهلاك وتجارة وتعليم وصحة وغيرها من النشاطات ، هذا النمو محركه النفط الذي يستخرج من الأرض ويتم بيعه والحصول مقابل ذلك على دولارات يتم استثمار بعضها في الخارج ويتم استخدامها لشراء السلاح والسيارات والتلفونات والغذاء وغيرها من الحاجات ، ويتم تحويل بعضها الآخر الى العملات المحلية للأنفاق المحلي ، وبالتالي اذا توقف النفط أو قل الطلب عليه فلابد أن يكون هناك محركا بديلا لهذه النشاط والمحرك البديل في اعتقادنا هو بناء الأنسان المنتج الذي يتصف بمهارات مرتفعة تساعده في انتاج سلعا وخدمات يستهلك بعضها محليا ويقوم بتصدير الجزء الآخر منها للعالم الخارجي بدل النفط ويحصل مقابل ذلك على العملة الأجنبية ليشتري بها حاجاته التي لايمكن انتاجها محليا وبوجود هذا الأنسان المنتج يظل النشاط الأقتصادي مستمرا ومستقرا ومتجددا بتجدد معارف ومهارات هذا الأنسان . هذه هي المعادلة الهامة وكل الأمور الأخرى مكلمة لها كما سيتضح من بقية حديثنا . ولكن لماذا أخفقت هذه الحكومات في فهم أو في التعامل مع هذه المعادلة في الوقت الذي استطاعت فيه دول كسنغافورة وبقية دول شرق آسيا ومن غير موارد طبيعية أن تنتقل الى اقتصاديات تعتمد على الأنسان المنتج في توليد مداخيل متنوعة ومتجددة ؟ ان الأجابة على هذا التساؤل يمكن اختصارها في أربعة أسباب رئيسية هي فقدان الأرادة السياسية وضعف البيئة المؤسسية وعجز السياسات الأقتصادية وهامشية دور القطاع الخاص وسنتحدث في مايلي وباختصار عن كل من هذه الأسباب.

غياب الأراد السياسية

ان المتأمل لتجربة دول المجلس التنموية لايفوته ان يستنتج بأن الحكومات الخليجية تفتقدللأرادة السياسية اللازمة لتحقيق التنمية التي تحققت في الدول الأخرى وهناك عدة تفسيرت يمكن أن تطرح لغياب الأرادة السياسية منها غياب المساءلة الشعبية ووجود النفط ومنها تأثيرالنفوذ الأجنبي وهناك اسباب اخرى تتفرع من هذه الأسباب ولنبدا بالسبب الأول .

ليس هناك أدنى شك في أن الحكومات التي تتعرض للمساءلة والمحاسبة من قبل مجتمع واعي يشارك في القرارهي حكومات اكثر كفاءة في ادارة موارد المجتمع واكثر جدية في اخذ مصالح المجتمع في الأعتبار ، اما الحكومات التي ليس للمجتع قدرة على محاسبتها وتغييرها كالحكومات الخليجية فهي حكومات تتصف غالبا بالامسؤولية وبهدر الموارد وبالتركيز على المصالح الآنية والضيقة على حساب الأهداف البعيدة وقد وصف لنا الحق سبحانه وتعالى عاقبة البيئة التي تسود فيها حكومات كهذه بالقول : " ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض" ، نعم هكذا عندما تغيب المدافعة والمساءلة في أي مجتمع فان مصيره هو الفساد بكل درجاته واشكاله بغض النظرعن حجم الموارد التي يمتلكها ، فسنغافورة جزيرة صغيرة استطاعت ان تبني انسان ازداد دخله من 450 دولار عام 1958 الى أكثر من 30 ألف دولار مع بداية الألفية الثالثة في الوقت الذي انخفض فيه دخل الفرد في السعودية من حوالي 28000 ألف دولار في بداية الثمانينات الى ربع ذلك في بداية الألفية لأن السعودية كغيرها من دول المجلس عجزت عن ايجاد انسانا منتجا تقوم على اكتافه التنمية بدل ارتباطها بمورد ناضب ومتقلب والدخل الذي يزداد وينقص في هذه الدول هو بسبب تقلبات وليس بسبب وجود انسان منتج . ولم يكن غياب المساءلة هو السبب الوحيد لغياب التغيير لدى هذه الحكومات بل أن هذه الحكومات قد استخدمت الثروة النفطية الطائلة والناضبة في تخدير هذه المجتمعات بتوفير كثير من السلع والخدمات المجانية والمدعمة وتوفير الوظائف لأبناء هذه المجتمعات ، وعلى الرغم من أن هذه حقوق لهؤلاء المواطنين الا انها عندما تقدم في ظل انظمة تحتكر السلطة والثروة ولاتتعرض للمساءلة تكون كالهبات والعطايا التي تؤدي الى شراء الولاءات واسكات الأصوات والحفاظ على الوضع الراهن وعدم اتخاذ القرارات الجادة التي تتطلبها التنمية الفعلية ، وها نحن نرى اليوم أن توفير الوظائف بغض النظر عن الأعداد والتأهيل لم ينتج عنه اليوم الا مزيد من البطالة بين أبناء المنطقة من خريجي الجامعات ولو كانت هناك مساءلة في السابق لأستطاعت هذه المجتمعات أن تطور نظامها التعليمي لرتقي بمستوى الخريجين ليجعل منهم قوى عاملة منتجة بدل أن يتحولون الى باحثين عن الوظائف وعاجزين عن منافسة غيرهم كما هو حالهم اليوم أو كما جعلتهم هذه الحكومات . اضافة الى غياب المساءلة واستخدام الثروة لأبقاء الأوضاع الراهنة وعدم توفير شروط النهضة ، كان للتواجد الأجنبي دور المسكن والمطمئن لهذه الحكومات لعدم الأكتراث بضرورة التغييرخاصة وان التغيير المنشود فيه تقوية لشعوب المنطقة في القرار والثروة على حساب شركات النفطية العالمية والحكومات الحالية ، ذلك لأن الأصلاحات المنشودة والضرورية للتنمية تعني تصحيح مسارات هذه الدول نحو مزيدا من الرقابة المجتمعية واستفادة شعوب المنطقة من هذه الثروات وهذا يعني تقليل عملية أستحواذ الحكومات على مقدرات وقرارات هي المجتمعات وكذلك استقلال كافة القرارات من قبضة التأثير الأجنبي الذي يقوم بدور العقبة الكأداء امام تلاحم الحكومات والشعوب والبدء في خطوات جادة نحو التنمية المنشودة .

ضعف المؤسسات

في ظل عدم جدية الحكومات الخليجية في تحقيق التنمية المنشودة ، وللأسباب التي تحدثنا عنها في الفقرات السابقة ، فمن الطبيعي أن تظل مؤسسات هذه الحكومات مؤسسات غير فاعلة وشكلية تختزل في اشخاص محدودين ويقصد بها تبرير الواقع الحالي والدفاع عنه وابقاء السلطة في ايدي الحكومات غير المنتخبة وغير المساءلة من قبل شعوب المنطقة ولنضرب عدد من الأمثلة على ما نعنيه بهذه المؤسسات التي يمكن تسميتها بالمؤسسات الديكورية نسبة الى ظهورها بمظاهر المؤسسات وافتقادها للمضون وفشلها في تحقيق غايتها ، وقد كنا سنتحدث عن المؤسسات القانونية التي تحفظ الأملاك وتنفذ العقود نظرا لأهميتها في التأسيس لنهضة اقتصادية دائمة الا أننا قد سبق وتحدثنا عن هذه المؤسسات في الأحاديث الشهرية السابقة وبالتالي رأينا ان نتحدث عن الموازنة كمؤسسة أخرى هامة في ادارة الموارد . فالموازنة مثلا تعتبر اهم اداة تنموية تستخدمها الدول لتحقيق اهدافها التنموية وذلك باعدادها بصورة تفصيلية وشفافة توضح مصادر الدخل ووجوه الأنفاق وطرق التعامل مع الفوائض والعجوز عند وجودها ، وبذلك يتم تنفيذ المشاريع التنموية وتغطية المصروفات المتكررة على ضوء ما لدى المجتمع من موارد . وعندما تكون هناك فوائض ، اي عندما تكون ايرادات الدولة أكبر من مصروفاتها السنوية يتم توجيه هذه الفوائض الى استثمارات منتجه او لتسديد ديون متراكمة أو لتقديم مساعدات تخدم اهدافا استرتيجية أو انسانية ، وعندما يكون هناك عجزا فان تغطيته تكون عادة اما بطبع النقود أو الأقتراض المحلي أو الخارجي أو بتسييل بعض الأحتيطاطيات الأجنبية أن وجدت وهكذا تعيش الدول في حدود امكانتها وتسعى لتحقيق اهدافها التنموية بما لديها من موارد . غير ان قيام الموازنة لهذا الدور التنموي يتطلب حساب الأيرادات المتوقعة والنفقات التقديرية ووضع خطط تنموية متحركة تستغرق ثلاث أو خمس سنوات ، وهذا بدوره يتطلب وجود قاعدة بيانات ومهارات بشرية متطورة واساليب موازنة تركز على كفاءة استخدام الموارد ، كما وانها تتطلب رقابة مجتمعية متمثلة في اجهزة تدقيق ومحاسبة مستقلة عن الحكومة ومتصلة بالمجالس التشريعية المنتخبة حتى لايحصل تقصير او تلاعب من قبل الحكومات . كما ان الموازنة المتطورة تتطلبوجود نظام ضريبي يتطور تدريجيا مع النظام الأقتصادي ويكون وسيلة لتوجيه الموارد وتحقيق العدالة وانجاح السياسات الأقتصادية الكلية التي تساهم في الحفاظ على استقرار الأسعار وتوليد الوظائف وتحقيق النمو الأقتصادي ، وهذا النظام الضريبي حتى ولو كان في بداياته المتمثلة في رسوم الخدمات الأساسية كالكهرباء والتلفون والرخص والمخالفات وكذلك رسوم التجارة لابد أن يتصف بالعدالة والكفاءة وذلك بمحاربة التهرب من دفع هذه الضرائب بكل اشكاله الا ما تمليه اعتبارات العدالة بين أبناء المجتمع حتى يتعود أبناء المجتمع على المسؤولية ويدركون بأن عليهم واجبات كما ان لهم حقوق ، وتكمن أهمية تطوير هذا النظام الضريبي في السنوات القادمة عندما يتراجع دور النفط كمصدر رئيسي للدخل . هذا الذي ذكرناه عن مؤسسة الموازنة هو الأمر الطبيعي والمعتمد في كثير من دول العالم بما في ذلك بعض الدول الأفريقية ، ولكن الصورة في دول الخليج لاتدعو الى التفاؤل وذلك لأن موازنات الدول الخليجية هي اقرب الى المزارع الخاصة للحكومات ، فهي تحاط بالسرية وكانها ممتلكات شخصية واذا رشحت بعض البيانات حولها فهي ارقام عامة وفي أغلب الأحيان غير دقيقة ، أما أساليب الموازنة فهي متخلفة حيث أن هذه الدول لازالت تستخدم ما يعرف بموازنات البنود حيث يتم رصد الموارد طبقا لبنود تحددها مؤسسات الدولة المختلفة وبعد مساومات غير علمية بين جهاز الموازنة والمؤسسات الحكومية يتم رصد المبالغ وينتهي العام ويبدا عام آخر من غير معرفة للكيفية التي انفقت بها هذه الموارد وكم هي مخرجاتها أي كم حققت من انجازات لأن معرفة الأنجازات يتطلب موازنات تربط بين ما تم انفاقه وما تم انجازه وهذه هي موازانات تعرف بموازنات الأداء وهي لايعمل بها في دول المنطقة . ولاتتوقف أزمة الموازنات الخليجية عند البيانات وأساليب الموازنة وانما تتعداها الى غياب الرقابة التشريعية وعدم توفر هيئات محاسبة وتدقيق مؤهلة وعندما توجد هذه المؤسسات فانها في الغالب تكون تابعة للحكومة نفسها مما يجعلها عقيمة وغير قادرة على المحاسبة والمساءلة ، والذي ينطبق على اجهزة التدقيق والمحاسبة يمتد الى نظام الضرائب الذي لايوجد بالصورة المطلوبه وهو حتى وان وجد بصورة بدائية فانه يتحول الى عبء على الضعفاء بدل أن يكون عونا لهم لأن اصحاب النفوذ يتهربون من دفع مستحقاتهم بينما تهوي مطرقة الواجبات على الضعفاء في المجتمع . طبعا في ظل غياب المسائلة السياسية فان صور العجز في نظام الموازنة وما يواكبها من فساد لايمكن معالجتمها وبذلك يظل المجتمع في حلقة مفرقة تعيق تقدمه وتعمق من هدر موارده . ولايختلف حال المؤسسات الأخرى في دول المجلس كالمؤسسات القضائية والتعليمية والصحية وغيرها عن حال مؤسسة الموازنة من حيث ضعف الكفاءة وسوء استغلال الموارد وعدم جدوى القرارات ، ولابد من التأكيد هنا ان جوهر الخلل في هذه المؤسسات هو غياب الرغبة لدى الحكومات في توفير شروط النجاح لهذه المؤسسات فالطاقات البشرية يمكن توفيرها وتدريبها ، والبيانات يمكن جمعها وترتيبها وكذلك حال بقية متطلبات النجاح الا ان توفير هذه الشروط ونجاح هذه المؤسسات في الأرتقاء بالأداء في ظل بيئة شفافة ومحاسبة مستمرة هو بالضبط ما لاترغب فيه هذه الحكومات لأنه سيكشف عيوبها وتطاولها على حقوق المجتمع وتركيزها المفرط على امتيازياتها ، ومن هنا تأتي أهمية دور أبناء المجتمع في المطالبة بأزالة هذه الأختناقات المفتعلة والمقصودة من قبل هذه الحكومات للأبقاء على الوضع الراهن الذي وان كان يخدم المصالح الضيقة لهذه الحكومات الا أن فيه تضييع الفرص التنموية لغالبية أبناء المجتمع وهي فرص قد لاتتكرر اذا بدا النفط في النضوب وعندئذ لن ينفع الندم .

تخبط السياسات

من البديهي ، في ظل غياب الأرادة السياسية لدى حكومات المنطقة لتوفير شروط الأرتقاء بأدارة موارد هذه المجتمعات وفي ظل عدم كفاءة البيئة المؤسسية ، أن تكون السياسات التي تحكم ادارة هذه الموارد ذات طابع انتهازي يهدف الى مزيد من المكاسب الشخصية ومزيد من تقاسم الثروة مع القوى الخارجية خاصة شركات النفط وشركات السلاح وداخليا مع المؤيدين وابواق هذه الحكومات من رجال اعمال ومثقفين وصحفيين وغيرهم من المنتفعين الذين اصبحوا يتكاثرون في السنوات الأخيرة كل ذلك من اجل نصيب أكبر من القصعة النفطية متجاهلين بقية شرائح المجتمع وكذلك متجاهلين الأجيال القادمة . تخبط السياسات يبدأ بالصناعة النفطية التي لازالت فعليا ، وبعد أكثر من ثلاثين سنة من جهود التنمية ، في قبضة شركات النفط العالمية التي لازالت تحتكر الوظائف ذات المهارات العالية والمتوسطة وتترك وظائف المهارات المنخفضة للعمالة الكورية والآسيوية بوجه عام وبذلك لم تستطع هذه الحكومات أن تجعل من هذا القطاع ميدانا لأعداد المهارات المحلية كما فعلت شركات النفط في ماليزيا وبعض دول أمريكا اللاتينية لأنها حكومات لاترغب في تمكين شعوبها من هذه المهارات ، ففي هذا التمكين تقوية لهذه الشعوب وهذا ما يتعارض مع سياسية الغنيمة التي تعيش عليها هذه الأنظمة وبالتالي فهي لاتمانع ان تتعرض لأبتزاز واستغلال الشركات الغربية لها وما يواكب كل ذلك من فقدان للسيادة على هذا المورد الوطني الناضب. هذا باختصار يعني أن نصيب الأسد من القيمة المضافة من انتاج ونقل وتوزيع وتكرير وصناعة وتسويق هذا القطاع يتراكم في محافظ الشركات والدول الغربية وتحرم منه دول المنطقة ومحيطها . وبسبب هذه السياسات تحرم هذه الدول من جعل هذا القطاع آلية فعلية لتدريب الطاقات المواطنة واستنبات التقنية وكسب المهارات الأدارية التي لازالت محتكرة من قبل هذه الشركات لأنها تتعامل مع حكومات غير جادة في نقل جميع هذه المعارف الى القوى العاملة المواطنة . ولاينتهي تخبط السياسات عند حجم ما تحصل عليه هذه الحكومات من معارف وتقنية وايرادات نفطية ، وانما يمتد هذا يتخبط الى الكيفية التي يتم بها انفاق هذه الأيرادات المنقوصة . فهناك مخصصات الأسر الحاكمة التي تتفاوت من دولة الى أخرى ولكنها جميعها غير مبررة وماكانت لتحصل في ظل مجتمع فيه مساءلة ومحاسبة ومؤسسات تشريعية منتخبة أي فيه أرادة مجتمعية مستقلة وواعية . وهناك النفقات العسكرية التي تدفعها هذه الحكومات للأبقاء على الأوضاع الراهنة وما يواكبها من تخلف وعبث بموارد هذه الدول على الرغم أو لأن هذه الدول اصبحت اقرب الى القواعد العسكرية الأجنبية منها الى الدول المستقلة . أما ما ينفق من هذه الأيرادات على ما يسمى بالتنمية كمشروعات البنية الأساسية من طرق ومواصلات وتربية وصحة وغيرها فانه مطبوع بمصالح أهل النفوذ واعوانهم حتى أن هذه المشروعات اصبحت وكأنها مفصلة على زيد وعمر ليحصل كل منهم على حصته من العمولات والسمسرات ولامانع بعد ذلك أن تظل المستشفيات اقرب الى المقابر التي يذهب اليها المرضى للموت ، وتصبح المؤسسات التعليمية اقرب الى مؤسسات لبناء امجاد الجهلاء والمنتفعين والمتكسبين فيهرب الأبناء الى المؤسسات التعليمية الخاصة التي نصبت كمصائد للمتاجرة بالعلم والمعرفة ، وهكذا تصبح هذه المجتمعات تنتج اجيالا لاتحسن كتابة ولاتتقن لغة ولاتتصف بمهارة وهكذا يتحول خريجي الجامعات والكليات الى طلاب وظائف لاصناع حضارة وتستمر مهزلة التعليم بهذه الصورة طالما أن ان هناك نفطا يستخرج ويباع وهناك حكومات تحسن نهب هذه الثروات بكل الصور والأشكال ، حتى أن المرء اصبح يتساءل اذا كانت هذه المجتمعات لازالت مجتمعات تربطها روابط المواطنة أم انها تحولت الى مافيات تصارع بعضها البعض على هذه الثروة الناضبة ، بينما بقية الشعوب حتى الأفريقية الفقيرة اصبحت تحسن ادارة مواردها الشحيحة وتضع الخطط لتحسين كفاءة استغلالها وتعيد للأنسان كرامته ومكانته في صناعة القرار ليكون وسيلة وغاية للتنمية المنشودة . ولايختلف حال السياسات الأقتصادية الأقليمية لهذه الدول عن سياساتها المحلية ، فعلى الرغم من ندرة مواردها البشرية ، ومحدودية حجم سوقها ، وشح الموارد الطبيعية غير النفط ، والتي تعني عدم القدرة على استقطاب الأستثمارات الخارجية طويلة المدى ، وضغف الموقف التفاوضي ، وعدم القدرة على تأسيس مشروعات استثمارية مجدية ، الا أن هذه الحكومات وبسبب ضيق افقها وانانية قياداتها، لازالت لم تبدا الخطوة الأولى نحول التكامل الأقتصادي الخليجي دع عنك التكامل العربي أو الأسلامي ، فهذه الوحدة النقدية لازالت مثار خلاف بعد جهود التكامل التي بدات منذ تأسيس مجلس التعاون الخليجي عام 1981 وليس هناك ما يدفع للتفاؤل على ضوء التجربة السابقة وفي ظل المعطيات السياسية الحالية ، أي في ظل غياب دور شعوب المنطقة في قرارات هذه الحكومات التي كما يبدو لنا لم تعد تعبأ كثيرا بوجود هذه الشعوب أو غيابها ، ذلك انها حكومات مشغولة بتهميش ومحاربة شعوبها لا بتفعيل دورها في النهضة المنشودة .

تهميش القطاع الخاص

ان تجارب الدول الصناعية وكذلك تجارب دول شرق آسيا تؤكد على أن وجود قطاع خاص متطور هو مرتكز اساسي في تحقيق التنمية المستدامة ، وتشير هذه التجارب كذلك الى أن القطاع العام كان له دورا هاما في نشاة القطاع الخاص مهما تنوعت صور هذا الدور من الحماية الى الدعم الى التمويل الى تخصيص المؤسسات العامة ، الا ان نتيجتها هي وجود قطاع خاص متنوع المنتجات وشريكا وليس تابعا للقطاع العام وله نصيب الأسد في الأنتاج والتوظيف والتصدير ، فماهو واقع القطاع الخاص في دور مجلس التعاون الخليجي ؟ وهل حرصت حكومات المنطقة الى توفير شروط نهضة هذا القطاع ؟ ان اجابتنا على هذا التساؤل لايمكن ان تكون تفصيلية نظرا لضيق المساحة في هذا الحديث ولكننا سنكتفي باشارات سريعة قد نعود للتفصيل فيها في احاديث قادمة . ان المتأمل لواقع القطاع الخاص في هذه الدول لايخفى عليه أن هذا القطاع لازال دوره هامشيا حيث ان هذا القطاع لاينتج سلعا وخدمات بل انه يقوم بدور السمسار الذي يستورد منتجات الغير ويسوقها على مستهلكين تسمح لهم الأيرادات النفطية اليوم بشراء هذه المنتجات التي تم استيرادها ، بل والأكثر من ذلك ان هذا القطاع لايستوعب الا القليل من العمالة المواطنة في نشاطاته المحدودة لأنه يفتقر الى الرؤية التنموية التي تحتم عليه توظيف وتدريب الطاقات المواطنة ويكتفي بتقليل التكاليف وتعظيم الأرباح باستخدام العمالة الوافدة الرخيصة او ذات المهارات غير المتوفرة لدى المواطنين . اذن يمكننا التأكد من غياب دور القطاع الخاص في عملية التنمية بالنظر الى المنتجات وبالنظر الى التوظيف وكذلك بالنظر الى الصادرات فكل هذه المؤشرات تؤكد غياب هذا القطاع في عملية التنمية وهذا يدفعنا الى التساؤل عن سبب هذا الغياب ؟ والأجابة في اعتقادنا تعود الى ما سبق الحديث عنه من غياب الأرادة السياسية وضعف البيئة المؤسسية في هذا الدول ذلك اضافة الى تخبط السياسات . فالقطاع الخاص يتطلب بناءه توفر عدة شروط نذكر في ما يلي اهمها . ان القطاع الخاص لايمكن ان يتطور ويرتقي الا من خلال طبقة رجال اعمال تتشاور وتتواصل مع الحكومات ولكنها لاتكون متداخله مع هذه الحكومات لتتحول معها الى طبقة منتفعين يوزعون بينهم ثروات المجتمع ويوجهونها لمنافعهم الخاصة ومنافع قوى خارجية ، وقد ساعد على غياب هذه الأستقلالية للقطاع الخاص سوء استخدام الأسر الحاكمة لثروات هذه المجتمعات حيث أن هذه الأسر لم تكتفي بالنهب المباشر للثروات النفطية ، ولم تكتفي باحتكار مناصب رسمية بصورة غير شرعية ، وانما سخرت كل ذلك للسيطرة على القطاع الخاص وتشكيله على صورته الطفيلية التابعة المشاهدة حاليا ، وبالتالي ظل هذا القطاع غير مستقل وغير مبدع وغير مبتكر وغير قادر على احداث اي تغيير أو تحول في الهياكل الأقتصادية لهذه الدول لأن طبقة رجال الأعمال لازالت ضحية الأعتقاد بان ما تقدمه الحكومات لها هو هبة ومساعدة شخصية ولاترى ذلك في اطار واجب هذه الحكومات تجاه هذه المجتمعات . اضافة الى ضروة وجود استقلالية للقطاع الخاص فان هناك شروطا اخرى تساعد على تطور هذا القطاع كتوفير البنية الأساسية السهلة سواء تعلق ذلك باجراءات تأسيس الأعمال او بالحفاظ على الملكية من كل انواع التعدي أو بتفيذ العقود بدرجة من العدل والكفاءة أو بالتمويل أو بانخفاض معدلات الضريبة أو بوجود قوانين تحكم نشاطات المؤسسات الخاصة وتؤدي الى عمل هذه المؤسسات بدرجة من الشفافية وتتعرض للمساءلة الدائمة من قبل المساهمين فيها ومن المؤسف ان كثير من هذه الشروط غير متوفر في دول المجلس على المستوى العملي والتطبيقي ان لم نقل على مستوى التشريعات .

اذن يمكننا القول أن تحقيق التنمية بالفهوم الذي بدانا به حديثنا وهو " تحول النفط الى انسان منتج " لن يتحقق طالما أن الحكومات الخليجية فاقدة لأرادة التغيير وتفعيل المؤسسات وتصحيح السياسات واطلاق دور القطاع الخاص لتدورعجلة البناء بكافة ابناء المجتمع ولأجياله الحالية والمستقبلية ومن غير ذلك ستظل الثروة النفطية عامل افساد وصراعات وتكاسل وتبعية وافقارللأجيال القادمة التي ستأتي بعد نضوب هذا المورد ومن غير بدائل له .

 
 
 نسخة للطباعة أرسل لصديق     عدد القراء 374

تعليقات القراء

khalid@alkhater.net
خالد الخاطر  - الدوحة
 
كلام جميل وصحيح يا دكتور يوسف ولكنك في رأي اغفلت دور المجتمع المدني في مسيرة التنمية ، المحارب والمهمش من قبل حكومات دول الخليج . قد يكون السبب هو تركيزك على الجانب الاقتصادي للتنمية ولكن بدون ديمقراطية وفي غياب فرص المشاركة في تقرير المصير لا بديل للمجتمع المدني في مساعدة نفسه . لقد كتب افرادا كثيرون في هذا الموضوع ولكن ولكونهم افرادا لم يستطيعوا ايقاض المجتمعات من نومها العميق ، واعتقد ان جمعيات المجتمع المدني تستطيع القيام بذلك . اتمنى لك التوفيق وارجو ان يبقى قلمك وصوتك منبران لحرية الفكر والتعبير عن ما تعانية شعوب المنطقة من ظلم وبطش والذي مرده ان يزول والذي نأمل ان لا يحصل بعد فوات الاوان .
 
هام
محمد زاهر  - دبي
 
السلام عليكم رائعة المقالة دكتور يوسف شكرا جزيلا لك الإيجابية التي أراها أنا كصحفي في جميع مقالات الموقع هي لغتها الصحفية القريبة من الناس والبسيطة وهذا أسلوب قليل من الكتاب من يتمكن منه. شكرا وبوركت يمينك ونفع الله بك وبعلمك. أتمنى لك التوفيق في سفرك.
 


هل ترغب في التعليق على الموضوع؟
الاسم:  
عنوان التعليق:  
المدينة
كود التحقيق:
Code Image - Please contact webmaster if you have problems seeing this image code Load New Code
* من فضلك أدخل الحروف المكتوبة على الصورة كما تراها, إذا لم تتمكن من قراءة الحروف يمكنك الضغط على الرابط المجاور لها لإظهار مجموعة اخرى من الحروف
نص التعليق:  

 

 
Copyright @ 2006 Darussalam.ae