مفاهيم ينبغي أن تصحح : مفهوم لااله الا الله (11)
الأستاذ محمد قطب
ولكن ما حدود المعصية في المجتمع المسلم ؟
هل يمكن أن تمتد فتشل كل المجتمع ، ثم تمتد فتشل كل عمل من أعمال الأسلام ؟ !
ويبقى مجتمعا "مسلما" بعد ذلك ؟ ! بمجرد التصديق والأقرار ؟ !
اننا ان أبحنا مبدأ " التصديق والأقرار" بوصفهما هما "الأيمان" .. وجعلنا الأيمان متحققا بهما ولو لم يعمل الأنسان عملا واحدا من أعمال الأسلام ، بدعوى أن العمل ليس داخلا في مسمى الأيمان ، وقررنا – بناء على ذلك – أن هذا القدر يكفي لأعطاء صفة الأسلام في الدنيا ودخول الجنة في ألاخرة ..اذا أبحنا ذلك لفرد واحد فهل نملك أن نمنعه عن أي فرد ؟ وعن كل الأفراد ان أرادوا ؟ !
فكيف يكون الحال لو وجد عندنا مجتمع كله "مسلم" "مؤمن" على هذا النحو ؟ !
هل يتحقق فيه شيء مما أراده الله ببعث الرسل وانزال الكتب ؟
من باب التذكير نعود الى الآية التي تحدد الهدف من بعث الرسل وانزال الكتب :
" لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط" [1]
فهل يقوم الناس بالقسط على هذا النحو ؟ !
ومن باب التذكير مرة أخرى نعود الى الآية أو الآيات التي تحدد الهدف من أخراج هذه الأمة بالذات :
"كنتم خير أمة أخرجت للناس ، تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر ، وتؤمنون بالله ؟"[2]
"وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا"[3]
" وجاهدوا في الله حق جهاده ، هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ، ملة ابيكم ابراهيم ، هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس ، فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واعتصموا بالله ، هو مولاكم ، فنعم المولى ، ونعم النصير "[4].
فهل يتحقق شيء من هذه الأهداف على هذا النحو؟ !
أليس من مثل هذا الوهم – أو هذا السلوك الخاطيء – حذرنا الله – جل وعلا – بذكر حال بني اسرائيل لكي لانقع فيه :
" فخلف من بعدهم خلف ورثوا االكتاب ، يأخذون عرض هذا الأدنى ، ويقولون : سيغفر لنا ! وان يأتهم عرض مثله يأخذوه ! الم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب ألا يقولوا على الله الا الحق ؟ ودرسوا مافيه ؟ والدار ألاخرة خير للذين يتقون ، أفلا تعقلون ؟ ! "[5].
أم أن هذا تكليف يقع على عاتق بني اسرائيل وحدهم بينما تعفى منه "الأمة المسلمة" ؟!
لدرء هذا الوهم قال حذيفة – رضي الله عنه - : نعم الأخوة لكم بنواسرائيل ان كان لكم كل حلوة ولهم كل مرة [6].
لاجرم أن يصبح " المجتمع" الذي تنتشر فيه هذه الأفكار الفاسدة عن "الأيمان" وعن "مقتضيات" لااله الا الله" هو الغثاء الذي أخبر عنه رسول الله –صلى الله عليه وسلم – منذرا محذرا : " يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة الى قصعتها . قالوا : أمن قلة نحن يومئذ يارسول الله ؟ قال : أنتم يومئذ كثير ، ولكنكم غثاء كغثاء السيل ."[7]
وتتداعى الأمم بالفعل على ذلك الغثاء ، وهو قانع بالتصديق والأقرار ، توهما منه أنه بذلك حائز على الأيمان ! !
أما المجتمع المسلم – أي الذي يحكم بشريعة الله – فتحدث منه المعاصي ما قدر الله لها أن تحدث ، ولكن يبقى في جميع الأحوال عملان اثنان على اقل تقدير لايكف عنهما أي أنسان ليظل يعامل في المجتمع المسلم على أنه مسلم ، وحسابه على الله ، ولكي ينجو من العقاب الماحق في الحياة الدنيا ، هما الصلاة ة والتحاكم الى شريعة الله ، وهما العملان اللذان ظلا ثلاثة عشر قرنا من بديهيات عمل المسلم في المجتمع الأسلامي ( ولو كان في دخيلة نفسه كافرا منافقا ) رغم كل الأنحراف الذي وقع فيه المسلمون خلال الأجيال ، ورغم كل التفلت الذي تفلتوه من تكاليف الأسلام .. ولم يتخل الناس عنهما جهارا نهارا الا في القرن الأخير ..
اذ تبين انه من المستحيل أن يتخلى الأنسان عن كل مقتضيات لااله الا الله ، ثم يظل مؤمنا بلا اله الا الله .. مستحيل بالنسبة للأهداف التي من أجلها أرسل الله الرسل وانزل معهم الكتب ، ومستحيل بالنسبة لواقع المجتمع المسلم الذي يحكم بشريعة الله ومستحيل بالنسبة لواقع النفس البشرية ، فالى أي شيء استند الذين يقولون : ان التصديق والأقرار هما كل متطلبات الأيمان ، وان الأعمال – ان قام بها الأنسان بعد ذلك – فهي رفعة في الدرجات ، وان لم يقم بها فلا باس على ايمانه ، الذي يتحقق كاملا بمجرد التصديق والأقرار ؟ !
لاشك أنها قولة المرجئة ومن لف لفهم .. وابسط مراجعة لتاريخ الفرق تدلنا على المصدر الذي جاءت منه هذه القولة الغريبة على روح الأسلام . وان كان الحق أن المرجئه القدامى – على كل ما أحدثوه من انحراف في فهم الأسلام – لم يتطرقوا قط – ولم يصلوا قط – الى اسقاط الصلاة او التحاكم الى شريعة الله كما أسقطها المرجئة المحدثون ، لأنه لم يكن يدور بخلد احد خلال القرون الثلاثة عشر الأولى أن هناك انسانا واحدا في الأرض الأسلامية يمكن أن يسمى مسلما في الحياة الدنيا ، ويظل على قيد الحياة ، وهو يهمل الصلاة ثلاثة ايام متوالية ، أو يتحاكم الى غير شريعة الله .
ولكن المرجئة القدامى – مع ذلك – هم الذين وضعوا البذور السامة التي التقطها المرجئة المحدثون ، واستنبتوا منها اسلاما جديدا لم يتنزل به كتاب ولم يرسل به رسول .. اسلاما بلا تكاليف ! أو قل : اسلام بلا اسلام ! !
الى أي شيء استند المرجئة – القدامى أو المحدثون سواء – في أن كل المطلوبات لأثبات الأيمان هو الأقرار اللساني بالنسبة للحياة الدنيا ، والتصديق والأقرار بالنسبة للحياة الأخرى !
أول ما أستندوا اليه هو المدلول اللغوي للأيمان ، فقالوا : هو التصديق . ثم قالوا : ان عمل الصالحات يرد في ألايات القرآنية معطوفا على الأيمان : " الذين آمنوا وعملوا الصالحات " والواو تقتضي المغايرة ، واذن فالأيمان شيء وعمل الصالحات شيء آخر ، ليس من جنسه وليس داخلا فيه .
فأما ألأستدلال بالمدلول اللغوي فهو مغالطة مكشوفة !
فالمدلول الأصطلاحي – الذي اتخذته ألفاظ معينة في القرآن كالأيمان ، والصلاة ، والزكاة – يدخل في عموم المعنى اللغوي ، ولكنه يكتسب باستخدام الأسلام له معنى خاصا وصفة خاصة لايصلح ان يحتج فيها بالمعنى اللغوي .
فالصلاة لغة هي الدعاء . ولكن هل يمكن أن نقول عن الصلاة – بمعناها الخاص في المصطلح الأسلامي – انها مجرد الدعاء – بحيث يغني الدعاء – في أية صورة – عن الصلاة بركوعها وسجودها ، وما تشتمل عليه من التلاوة ، ومالها من الضوابط من وجوب الطهارة قبلها ، ووجوب أدائها في أوقاتها .. الخ .. ألخ ؟ !
والى اللقاء في الحلقة القادمة
[1] سورة الحديد (ألاية 25) .
[2] سورة آل عمران (الآية 110) .
[3] سورة البقرة (الآية 143) .
[4] سورة الحج (ألاية 78 ) .
[5] سورة الأعراف (الآية 169) .
[6] رواه الطبري عن حذيفة من أكثر من طريق . انظر تفسير الطبري 6/253 الطبعة الثالثة 1388 ه .