نسخة للطباعة أرسل لصديق     عدد القراء 483

الرئيسية >> حديث الشهر

كيف أدى غياب المدافعة الى الجمود في مجلس التعاون الخليجي

إقرأ للكاتب أيضا

أضيف بتاريخ :
 

                                كيف أدى غياب المدافعة الى الجمود في

                     مجلس التعاون الخليجي

تقديم : قد يستغرب البعض حديثنا عن جمود في دول المجلس والمشاهد على الأقل هو ان هذه المنطقة هي اقرب الى خلية النحل التي لاتتوقف الحركة فيها على كل صعيد . فالقواعد العسكرية فيها منتشرة برا وبحرا ، ومعدلات النمو السكاني خاصة بسبب الهجرة باشكالها هي من اعلى المعدلات في العالم ، وناطحات السحاب ، أو التطاول في البنيان اذا شئت ، هو على اشدة ، والأستهلاك أو الترف أمثل بل ويزيد على استهلاك الدول المتقدمة التي طبعا تستهلك بعد ان اقامت قاعدة صناعية متطورة ومتنوعة بينما استهلاكنا هو عملية استنزاف لثروة ناضبة والقائمة تطول ، وحتى أجهزة الأمن لاتكل ولاتمل في محاربة كل من يحاول أن ياخذ نفسا من الحرية بالقول أو العمل فهي تسجن هذا وتحقق مع ذلك وتعزل ثالثا من عمله وتحرم رابعا من التوظف وتمنع خامسا من الكتابة في الصحافة وهكذا ، في الوقت الذي تصول فيه وتجول المخابرا العالمية ومنها المخابرات الأسرائيلية من غير رادع وكان الصديق أصبح عدوا والعدو صديقا فيا لها من مفارقة عجيبة غير أنه لابد لنا هنا ان نشكر جهاز الأمن في أمارة دبي على مهنيته في تعقب قتلة المبحوح من عملاء الموساد المجرمون وكلنا أمل ان يكون هذا الجهاز نموذجا للجهاز الذي يحمي ابناء الأمة من الأعداء بدل الأجهزة الأخرى التي تقوم بعكس ذلك . فكيف اذن يجرؤ أحد على القول بان هناك جمود في هذه المنطقة ؟ واجابتنا هي ان ما يحدث في هذه الدول هو تداعي أو تنافس على قصعة النفط التي وهبها الله لهذه المنطقة من غير حول أو قوة أو جهد من قبل حكوماتها أو شعوبها ، وأغلب ما نشاهده من حراك هو من اجل الحصول على اكبر جزء من هذه القصعة سواء من قبل قوى التسلط والأستغلال الخارجية أو المافيات المحلية . غير أن الجمود الذي نتحدث عنه نحن هنا هو ما يتعلق بقضايا الأنسان الخليجي ومعه ابناء المنطقة ، الأجيال الحالية منها والمستقبلية ، ودرجة حريتهم في القول والعمل ، وحجم مساهمتهم في الحراك الحالي ، ومدى استعدادهم للعيش بكرامة ورفاهه بعد ان تختفي قصعة النفط واغلب من أتى للمنافسة عليها . اننا نتحدث عن أمن وازدهار المنطقة وشعوبها بعد نضوب النفط ، وهنا تأتي اهمية المدافعة التي يتمخض عنها حراك يصب في النهاية في التحضير لما بعد النفط وفي بناء الطاقة التنموية سواء كانت على مستوى الفرد او المؤسسة أو المجتمع بأكمله . فكم من دولة عاشت فترات تطول وتقصر في بحبوحة مورد طبيعي أوآخر وانتهت اما بالفقر أو بالحروب او بالأختفاء الكلي من الخارطة كما نعرفها واصبحت فترة رغد العيش في ظل المورد الطبيعي اقرب الى الحلم الذي تبخر ولم يترك خلفه الا الحسرة والأمنيات . ان المدافعة التي نتحدث عنها هذا الشهر هي عبارة عن ذلك التفاعل الذي يتم بين ابناء المجتمع بكل اطيافهم في اطار رؤية مجتمعية تهدف الى تحصين كل من الأمن والأزدهار وتؤدي الى ديمومتهما بقدر ما تسمح به معطيات الواقع وموارد المجتمع لأن غياب هذه المدافعة عاقبته وخيمة كما يذكرنا خالق هذا الكون بقوله سبحانه وتعالى : " ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض" وقوله "ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا ولينصرن الله من ينصره ان الله لقوي عزيز" ، نعم المجتعات الغربية والآسيوية وحتى بعض الدول الأفريقية استطاعت ان تدرك اهمية معنى المدافعة بين البشر وتمارسها باتقان كل ذلك لتجنب شعوبها كثير من الأزمات ، ولتحارب من خلالها كثير من الأمراض كالفقر والجهل ، ولتحقق بها درجة كبيرة من السعادة لشعوبها ، الا في عالمنا العربي ومعه منطقة الخليج وللأسف ، هذه المنطقة التي تنزلت فيها الايات السابقة على خير البشر ورحمة العالمين محمد بن عبدالله عليه أفضل الصلاة والتسليم .

آثار غياب المدافعة

ان المتأمل للآيات القرانية السابقة حول غياب المدافعة في حياة البشر يمكنه القول بان هناك صورا كثيرة للفساد اذا نظرنا الى المصطلح في نطاقه الواسع . فغياب حريات ابناء المجتمع سواء تعلق ذلك بالتعبيرعن آرائهم او باختيار من يقودهم هو نوع من الفساد ، وعيش شرائح من أبناء المجتمع في ظل الفقر او الجوع أو عدم القدرة على الحصول على اسياسيات الحياة وبصورة كريمة هو نوع من الفساد . وحرمان الأفراد من التعليم الذي يؤهلهم لأعمال منتجة تحقق لهم مصدرا للرزق وتساهم في بناء المجتمع هو كذلك نوع من الفساد . ولاشك أن استحواذ بعض شرائح المجتمع على ثروة أو وظيفة من غير مبرر منطقي ومعايير واضحه وموافقة المجتمع او من يمثله هو نوع من الفساد . كما وان تحويل الدول الى قواعد عسكرية ليس لأعتبارات امنية واضحة وانما لأبقاء اوضاع راهنة مهترئة ينبغي تغييرها هو نوع من االفساد . ومما يندرج تحت مفهوم الفساد كذلك هو ان تتكالب صحافة التجار مع قيادات غير منتخبة من قبل الشعوب لتضليل الناس ونشر الرذيلة ومحاربة الفضيلة وتعميق التبعية للأستعمار وتذويب قيم المجتمع ونشر قيم الأستهلاك والتبذير. وهل يمكن أن ننكر بأن تحالف رجال القضاء مع هذه الحكومات ومساندة الأقوياء ضد الضعفاء هو نوع آخر من انواع الفساد الذي يجعل الأنسان العادي غير آمن على كلمته وماله واهله بل ومستقبله لأن ملاذه بعد الله هو القضاء فاذا اصبح القضاء تابعا للنفوذ وأهله فان العاقبة هي الهلاك وعدم الأستقرار الا اذا حاربت الأمة الظلم والظلمة واعادت للعدل هيبته . ويمكننا الأسترسال في ذكر امثلة على صور الفساد التي تنتج عن غياب المدافعة التي جعلها الله صمام أمان تضاف الى مستوى الأيمان لتحقيق ازدهار واستقرار المجتمعات البشرية ، ولكننا أردنا بهذه الأمثلة تبيانا لأهمية هذه المدافعة وضرورة غرسها في قلوب وعقول أبناء هذه الأمة حتى يدركوا ان النهضة لاتتم في فراق ولاتتحقق بالتمني وانما هي اقرب الى السعي الدوؤب والمتواصل الذي لايتوقف عنه الأنسان الا بعد مفارقته لهذه الحياة ولايمكن لعاقل أن ينكر أن صور الفساد السابقة وغيرها قد اطبقت على مجتماتنا الخليجية بسبب غياب المدافعة . ومن هنا رأينا ان نبين للقاريء خلاصة هذه المدافعة كما نشاهدها في الدول التي استطاعت ان تحقق كثير من الأنجازات وتتجنب كثير من المفاسد التي ذكرنا امثلة عليها وذلك بقدر ما تسمح به رؤيتها الكونية التي قد نتفق مع جزء منها ونختلف مع الجزء الآخر ولكن هذا لايمنعننا من الأستفادة من ما ابدعته البشرية من آليات لتحقيق معنى المدافعه التي تحدث عنها خالق هذا الكون وتجنب مثالب غيابها . فكيف حققت اذن الدول المتقدمة اليوم بيئة المدافعة ؟ ان الأجابة السريعة والمختصرة هي أن هذه المجتمعات استطاعت أن توفر بيئة المدافعة من خلال الأنتخابات وتعاقب الأجيال وتجديد الدماء وفصل السلطات التنفيذية والقضائية والتشريعية عن بعضها البعض وعدم تركيزها في سلطة واحدة ، علما ان هناك كثير من التنوعات والفوارق في النظم المنتخبة الا أن هناك تأكيد ، يختلف من مجتمع الى آخر ، على اهمية عدم احتكار السلطة من قبل القلة وعدم تركز حتى السلطات المنتخبة في مؤسسة واحدة وسنحاول في الفقرات التالية توضيح أهمية هذا الفصل بين السلطات في توفير بيئة المساءلة وما ينتج عنها من ارتقاء في اداء جميع المؤسسات ولنبدأ بأحد خيوط هذه المدافعة ونقصد بذلك السلطة التنفيذية أو الحكومة .

كيف تتم المدافعة ؟

هذه السلطة تتكون عادة من القيادات االسياسية ومن القيادات الأدارية التي تنفذ السياسات . فما الذي يجعل اداء هاتين الفئتين منسجما مع مصالح المجتمع ومحققا لأهدافه ؟ لاشك ان نقطة البداية في ايجاد الحكومات المسؤولة امام شعوبها والفاعلة في الأرتقاء بمستوى الرفاه المجتمعي هي الحكومة التي ينبثق عملها من دستور اجمع عليه المجتمع وتمثل مواده تعبيرا عن مصالح كافة ابناء هذا المجتمع وذلك بتساويهم في المواطنة وما ينبثق عنها من حقوق وواجبات . اما بعد وجود الدستور المعبر عن ارادة المجتمع والذي يحدد وظائف الحكومة أو السلطة التنفيذية المنسجمة مع ارادة المجتمع فان الخطوة التالية لوجود حكومة مسؤولة هي عملية انتخابها طبقا لنظام عادل تتحقق فيه حرية المشاركة ويقوم ابناء المجتمع بانتخاب هذه الحكومة ومن اهم الصيغ المعاصرة للأنتخاب : النظام الرئاسي حيث يتم انتخاب رئيس الدول مباشرة من قبل ابناء المجتمع ثم يقوم هذا الرئيس بتعيين جهازه التنفيذي ويكون هذا الرئيس مساءلا امام البرلمان الذي يمثل ارادة المجتمع. وهناك النظام البرلماني الذي يتم فيه انتخاب الرئيس أو رئيس الوزراء والوزراء من بين اعضائه. هذا في ما يتعلق باختيار القيادات السياسية ، أما القيادات الأدارية فان ادبيات التنمية السياسية وممارسات كثير من الدول الغربية والنامية تشير الى ان العوامل التي تساعد في بناء جهازا اداريا فاعلا هو اعتماد معاييير الكفاءة والأمانة في التوظيف ووضع صمامات الأمان لأستمرار هذين المكونين وذلك من خلال التأكد من كفاية الأجور وتعدد برامج التدريب وتوفير الموارد والتقنية لتسهيل قيام الأداريون بوظائفهم وبدرجة عالية من الكفاءة ومن غير اسراف سواء في الموارد المادية أو البشرية . اضافة الى كون السلطة التنفيذية منتخبة ومساءلة من قبل السلطة التشريعية واسنادها بجهازا اداريا على مستوى من الكفاءة والأمانة ، تزداد فعالية السلطة التنفيذية كذلك اذا كانت كثير من المسؤوليات والمناصب الهامة منتخبة كالمجالس البلدية وغرف التجارة وبعض المسؤوليات الأمنية لأن ذلك يرفع من درجة المساءلة . كذلك مما يساعد على استمرار السلطة التنفيذية في الأرتقاء في ادائها هو اتصاف قرارتها بالشفافية والوضوح لأن هذه الشفافية تعني قدرة المجتمع بكل شرائحه على مساءلة هذه الحكومة ومعرفة جوانب قصورها والمطالبة بتصحيحها . ومما يرتقي بأداء السلطة التنفيذية كذلك استعياب الحكومة لكل مدخلات المجتمع في مرحلة صياغة السياسات ، اي التواصل مع السلطة التشريعية للتأكد من موافقتها ، والرجوع الى السلطة القضائية للتاكد من انسجام السياسات المقترحة مع مواد الدستور ، والتشاور مع مكونات المجتمع المدني من مستهلكين وقطاع خاص ونقابات وغيرها حتى لاتكون القرارات عشوائية او تكون سببا في نزاعات في المجتمع . وصياغة السياسات الصحيحة هي خطوة ضرورية ولكنها غير كافية مالم تكون هناك آليات وبرامج واضحه لتنفيذ هذه السياسات وعدم تركها في الأدراج وهذا التنفيذ للسياسات لايكتمل من غير وجود لجان وآليات لتقييم النجاح والفشل في تنفيذ هذه السياسات وهذا ما دفع بعض الدول كبستوانا وغانا الى ايجاد وحدات في كل الوزارات الحكومية مهمتها متابعة وتقييم عملية تنفيذ السياسات التي تبنتها الوزارة . ومن الأمثلة على نجاح السياسات مشاهدة كفاية الخدمات ونوعيتها سواء كانت خدمات صحية أم تعليمية أم حماية الحقوق الأساسية من تعدي الغير ومن تجاوز اجهزة الأمن كذلك . ومن ثمرات نجاح بيئة المدافعة عدم هيمنة الحكومة على المجتمع وانما بقائها أحد مكوناته ، فقبل حقبة النفط كانت الحكومات الخليجية لاتذكر مقارنة ببقية مكونات المجتمع من قطاع خاص قائم على اللؤلؤ ، الى المدارس اوالحلقات العلمية المستقلة عن الحكومة ، الى الأوقاف والعمل الخيري الى آخر القائمة من فسيفساء المجتمع المدني الخليجي قبل النفط وقبل ان تستحوذ الحكومات وبصورة غير شرعية على كل هذا النفوذ وتجعل المجتمع تابعا لها ولسياساتها المتخبطة . هذا باختصار هو مفهوم المدافعة التي تحفظ المجتمع وموارده وتساهم في رقية واستقراره ، فهل في دول مجلس التعاون الخليجي مدافعة بهذا المعنى في يومنا هذا ؟

هل في دول مجلس التعاون الخليجي مدافعة ؟

مرة أخرى نعود الى التساؤل الذي طرحناه في بداية هذا الحديث وهو ما اذا كانت هناك مدافعة في دول المجلس يمكن ان تضع شعوب هذه المنطقة على طريق النهضة المنشودة . من المؤسف حقا اننا اذا تاملنا ما تقدم ذكره عن مفهوم المدافعة فاننا لايمكن الا ان نؤكد ان هذه الدول في حالة جمود على الرغم من كل المظاهر التي توحي بعكس ذلك . فالمدافعة تحصل في ظل دساتير تكون معبرة عن ارادة الشعوب ودساتير المنطقة تجعل من الشعوب اتباعا ومن الثروات أملاكا خاصة للأسر الحاكمة وما عليك بعد ذلك الا ان تتصور كيف تعطل هذه الدساتير اي تقدم لأن هذه الدساتير تعتبر أول العقبات في طريق اي حراك بين افراد متساوين في المواطنة ، فهي دساتير تقنن المواطنة المنقوصة وتقسم أبناء هذه الدول الى طبقتين : الأولى وارثة للأمتيازات والأخرى كادحة لنيلها ولكن في اطار الخطوط التي تسمح بها مواد هذه الدساتير، انها والله قسمة ضيزى لاتنسجم مع كرامة وحرية الأنسان الذي كرمه الله بجعله عبدا له وحده ومتساويا مع غيره الا من سبق بتقوى أو بجهد منتج وهذا ما نشاهده وللأسف في دول لادين لها ونفتقده نحن احفاد أبوبكر وعمر الفاروق في جزيرة العرب ، وقبل هذا وذاك نسمع ليلا ونهارا تأكيد المبدا الصحيح لنشاة المجتمعات في قول الحق سبحانه وتعالى على لسان ابنت شعيب رضي الله عنه وهي تقول : "ياابتي استئجره ان خير من استأجرت القوي الأمين " ومن أصدق من الله قيلا ، فما بال علماؤنا ومثقفونا ورجال اعمالنا وطلبتنا وبقية نخب هذه المجتمعات مشغولون بمجاراة الأستبداد والفساد وأهله ، والأجيال تتساقط وتلهوا وتعبث وغيرها يحلق في سماء الأبداع والمنافسة والتميز والعطاء والتفوق في شتى مناحي الحياة لأنها لاترى امامها نماذجا تقتدي بها الا من رحم ربي وهم قليلون ؟

أما المظهرالثاني من مظاهر المدافعة فهو ان تكون الحكومات منتخبة من قبل شعوبها ومساءلة امامها وتتصف بالتجديد بدل التأبيد حتى تتناوب الأجيال ليأتي كل جيل بجديد وتتجدد الدماء حتى ينبعث الأمل في هذه الأجيال بوجود وتنوع الفرص للمساهمة في بناء مجتمعاتهم ، أما دول المجلس فهي ليست فيها انتخابات جادة وحتى انتخابات الكويت هي اقرب الى لعبة شد الحبل ، بين شعب استطاع وساعدته الضروف على انتزاع دستورا فيه شيء من الكرامة والأحترام للمواطن وهو يريد ان يمارس روح دستوره ، وبين اسرة حاكمة يرغب بعض ، ولانقول كل افرادها ، الى اعادة عقارب الساعة الى الوراء بوضع شتى صور العراقيل والمعوقات امام مسيرة الديمقراطية وكاننا في منطقة التسابق فيها الى الوراء في الوقت الذي تتم فيه سباقات الآخرين الى الأمام . هذا في الكويت ، اما في بقية الدول فليست هناك حكومات منتخبة وحال هذه الحكومات مع شعوبها هي حال فرعون وقومه " ما أريكم الا ما أرى وما اهديكم الا سبيل الرشاد "ولانحتاج الى التذكير بما هو مشاهد من الكيفية التي يتم بها اختيار هذه الوزارات ولا بتقييم اداءها ولا بمساءلة افرادها ، ففي هذه الدول يتخيل الأنسان احيانا انه امام ملائكة لايخطئون ، ففي الدول التي فيها مشاركة ومساءلة ورقابة نسمع احيانا عن تنحية مسؤول ومحاكمة آخر وحتى السجن لبعضهم كما حدث في الأزمة المالية الأخيرة لأن الشعوب في تلك الدول حرة تستند على دساتير تجعلها صاحبة السلطة ، اما نحن فلا زلنا نبحث عن واحد أو اكثر من المسؤولين الذين يعترفون بأخطائهم او يدينهم المجتمع بذلك سواء في ما يتعلق بالأزمة الأخيرة أو بأكثر من ثلاثين سنة من جهود " التنمية المنشودة " والتي لم يتحقق منها الا القشور وفي اعتقادنا ان هذه المجتمعات لايمكنها ان تفرز المجتمع العادل لأن ما اسس على خطا يبقى هكذا .

ومن مظاهر المدافعة حكومات تتخذ قراراتها باجماع كافة شرائح المجتمع التي تمثل ما يعرف بالمجتمع المدني على مرأى ومسمع الكل اما الحكومات الخليجية فانها تتخذ قرارتها ، وللأسف ، في غرف مظلمة ومع ممثلي اطراف دولية كامريكا واوروبا وغيرها وكأن هذه الدول الأجنبية اصبحت هي التي تعين هذه الحكومات ونحن لانبالغ في هذا القول لأن كثير من المؤشرات والمعلومات تشير الى أن صناعة القرارات الهامة والأستراتيجية في هذه المنطقة قد وكلت بها الدوائر الأجنبية كل ذلك لأن قيادات المنطقة اصبحت متمسكة بالسلطة والنفوذ الى حد جعل لديها قابلية الرضوخ للقوى الأجنبية في كل سياساتها طالما ان ذلك يحقق لها المكاسب الشخصية ويؤمن لها الكراسي الفانية وكم هي الكتابات التي يشير فيها بعض صناع القرار في الغرب الى قيادات المنطقة بالسخرية والأستخفاف وعدم الأحترام ولا نريد ان نستشهد بأمثلة على ما نقول لأن هدفنا كالعادة هو التنبيه والتذكير وقول الحق وعلى الرغم من هذا الأستخفاف الا اننا لا نرى الا مزيدا من الألتحام من قبل هذه القيادات بالقيادات الغربية وتركهم لمصدر الشرعية والقوة ونعني بذلك شعوب المنطقة بعد الله سبحانه وتعالى ، فيا ليت قومي يعلمون .

والمدافعة تتطلب ان تكون هناك متابعة وتقويم للسياسات التي تم تبنيها والتأكد من انها حققت اهدافها اما في دولنا فان كثير من السياسات الصحيحة وهي عادة قليلة تبقى حبرا على ورق وتتحول بعد فترة الى نسيا منسيا لأنه ليس هناك من يسأل وحتى لو وجد فان سؤاله لااجابة له لأنه سؤال لا اطار ولاشرعية له ، ذلك أن لسان حال هذه الحكومات هو " ياشعوبنا قولوا ما شئتم وسنفعل ما يروق لنا ويحفظ مصالحنا " .

ولايستغرب الأنسان ان يكون القضاء تابعا للحكومات غير الشرعية ، والتابع طبعا لايتوقع ان يكون اداؤه افضل من المتبوع ، واذا كان هناك من لديه شك في ما نقول فاننا نرجعكم الى حديث شهري سابق لنا ناقشنا فيه اثر سيادة القانون على الأزهار الأقتصادي وبينا فيه مكانة دول الخليح من حيث الفترة التي يستغرقها تنفيذ حكم عادي في المحاكم بحسب تقاريرالمنظمات الدولية كصندوق النقد الدولي والبنك الدولي . ونحن بدورنا لانستغرب هذا التردي في اداء هذه المحاكم لأن القضايا التي هي من الوزن الثقيل هي عادة لأصحاب النفوذ وهي التي توقف عجلة القضاء لأن القاضي المسكين ما ان يشعر بدرجة من الأنتماء الى مهنته ويتطلع للسمو الى مكانتها الا ويفاجا بأمر من صاحب السمو أو المعالي أو الفخامة أو قل ما شئت من القاب ما انزل الله بها من سلطان يهوي عليه مذكرا له بالتزام " العدل" الذي تمليه عليه مصلحته الوظيفية وكأن هذه الأوامر تؤكد مرة أخرى ان القضاء لابد أن يكون نسبيا ومنقوصا كما هو حال الدستور والحكومة ولامانع طبعا من اظهار بعض المسرحيات القانونية للأستهلاك طالما ان نتائجها معروفة ومضبوطة مسبقا اذا كان ذلك ما تتطلبه المرحلة . ومرة اخرى نتساءل : أين هذه القيادات من تحذير رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم بقوله " لقد هلك الذين من قبلكم لأنهم اذا سرق فيهم القوي تركوه واذا سرق فيهم الضعيف اقاموا عليه الحد " اليس في هذا الحديث تحذير تجاهلناه وهانحن نسير في ركب المجتمعات الهالكة التي اذلها الله على كل صعيد ؟

وماذا عن اعلامنا مقارنة بالأعلام المريء والمسموع والمكتوب ، الذي يسمى في الدولة التي تحكم بأرادة شعوبها بالسلطة الرابعة لأنه يبحث عن الحقيقة وينقلها الى المواطن ليرتقي بقراره ويراقب أداء مؤسسات الدولة ويساهم في تصحيح اخطائها ؟ مرة أخرى اعلامنا ليس مؤهلا لهذا الدور لأنه من صنع الحكومات التي لاتؤمن أصلا بأهمية المعلومات وتخاف من جمعها ونشرها وتحليلها وتستميت دون اتخاذ القررات على اساس هذه المعلومات لأن ذلك يمثل بالنسبة لها انتحارا في وضع النهار والذي لديه شك في ذلك فما عليه الا ان يطالب هذه الحكومات بنشر بيانات واضحة عن ايرادات النفط وما يذهب منها الى وزارات المالية وكيف يتم صرفها واين يذهب المتبقي ، ويطالبها بفتح سجلات تشكيل الحكومات وقراراتها ومتابعتها واستخدامها لموارد المجتمع ؟ فاعلامنا الخليجي ومعه العربي اختار الوقوف الى جانب الحكومات في مواجهة شعوب المنطقة ومصالحها ، فهو منشغل بالرذيلة والجريمة واللهو الهابط والأرتزاق طبعا كل ذلك بأموال هذه الشعوب المسكينة التي تشارك في هذه المسرحية الهزلية . أما قضايا الحرية والعدالة ومناصرة الشعب الفلسطيني والفساد باشكاله واخفاقات هذه الحكومات فهي لاتقترب منها الا بسطحية ، فاذا تحدثت عن القضية الفلسطينية فانها تصب جل غضبها وحممها على حماس لأنها في رأي هذا الأعلام الرسمي وشبه الرسمي هي التي جلبت على نفسها غضب اسرائيل وهي ، اي حماس ، هي المسؤولة عن كل الكوارث التي حلت باهل غزة ، كل ذلك لأن هذا هو لسان حال حكومات المنطقة التي اصطفت في السنوات الأخيرة مع الدول الغربية وحليفتها اسرائيل وهي التي تغدق على أعلام الأرتزاق من ثروات الشعوب . اما اذا تحدث هذا الأعلام عن الفساد والحريات أو العبث بالمال العام فانه دائما يبحث عن دول تبعد عن منطقتنا آلاف الأميال حتى لايتهم بانه يدافع عن قضايا الحرية وسوء استغلال المال العام في دول الخليج . فانت قد تقرا في هذا الأعلام أو تشاهد فيه تقريرعن محاكمة احد القيادات الأسرائيلية أو الغربية لسرقته مئات الدولارات في حملة انتخابية، بينما يتجاهل هذا الأعلام صفقات السلاح التي تذهب بموجبها مليارات الدولارات الى جيوب سماسرة السلاح في منطقة الخليج وما شابها من صور نهب الثروة التي لو ذهب عشرها الى شعب فلسطين خلال العشرين سنة الماضية لما استطاعت اسرائيل ان تطبق هذا الحصار الظالم على اهلنا في فلسطين بل ولما بقي فقيرا او جاهلا في عالمنا العربي . ولكن هذا الأعلام حاله كالقضاء يقوم بدور التابع والمطيع لحكومات لاتمثل شعوبها ولاترغب في مساءلة أو محاسبة لأنها كما تؤكد دساتيرها قد عقدت العزم على ان تبقي نظامها الطبقي مهما وضعت عليه من مساحيق تجميلية مادتها طقمة من انصاف المثقفين الذين تحولوا الى ابواق للسلطة مقابل مكاسب بخسة لايقبل بها حرا ولاحول ولاقوة الا بالله .

طبعا في هذه البيئة السياسية والقانونية والأعلامية التي هي أقرب الى حياة أهل القبور لايستغرب الأنسان غياب ما يعرف بالمجتمع المدني كالأحزاب والنقابات والأندية ومراكزالأبحاث الذي يتطلب وجودها دستورا يحفظ حقوق الناس وبرلمان يشرع ويراقب واعلام يكشف الحقيقة ويدافع عنها وحتى اذا وجدت مظاهر هذا المجتمع المدني فانك عادة ما تراها تسير في ركب الحكومة وتعبر عن سياساتها أكثر من تعبيرها عن رسالتها تجاه المجتمع كما تشهد بذلك تجارب الأندية ومراكزالأبحاث وبعض النقابات عندما توجد في هذه المنطقة لأغراض دعائية .

يمكننا الأستمرار في مقارنة مكونات بيئة المدافعة بواقعنا الخليجي ولكن لانرى في ذلك جدوى ففي هذه الدول اختزلت جميع المؤسسات في مؤسسة واحدة هي مؤسسة الأسر الحاكمة ، واختزلت ثروة هذه المجتمعات في خزانة واحدة هي خزانة الأسر الحاكمة ، واختزلت مصلحة المجتمعات في رؤية واحدة وهي التي تحفظ مصالح الأسرة الحاكمة ، وهكذا تدور هذه المجتمعات في فلك الأسر الحاكمة وكل ما عدا ذلك هو عبارة عن لوجستيك كما يقول اهل الجيوش ، أي ان كل ما عدا ذلك هو من باب المساندة للهدف الأسمى الذي اصبحت هذه المجتمعات ، شاءات أم أبت ، تعيش وتموت من أجله وهو الحفاظ على العروش فكيف يمكننا بعد ذلك أن نتحدث عن مجتمعات فيها مدافعة أو طموح الى النهضة الجادة ؟ بأختصار اننا نعيش في مجتمعات ظاهرها يوحي بالأزدهار وبوجود المؤسسات وغيرها ولكن واقعها هو انها مجتمعات تفتقد الحرية والنظام وتفتقد العمل المنتج وهي مجتمعات ينخر فيها دود الفساد بكل صوره ومستوياته ، فهي تستنزف ثروة ناضبة من غير ادنى اعتبار لكيفية هذا الأنفاق ، ولالأنعكاسات هذا الأنفاق ، ولالآثار هذا الأنفاق على واقع الأجيال الحالية ، ولا لآثاره على مصير الأجيال القادمة وهكذا يستمروهم التنمية والتقدم والأمن ......ولكنها أوهام ولابد أن تجد هذه المجتمعات نفسها يوما ما في مواجهة الحقيقة المرة وهي انها قضت سنوات وهي تعتقد ان السراب ما ء .

 
 
 نسخة للطباعة أرسل لصديق     عدد القراء 483

تعليقات القراء

لا رجال
محمد  - الامارات
 
نحن في زمن اللا رجال ومن كان يظن غير ذلك فليقل ها أنا ذا . فليتزحزح عن منصبه أو ماله أو ممتلكاته أو ما يعطى من صدقات دفاعاً عن حقه الكبير ، أي فليدافع عن حقه الأصيل مقابل أن يخسر الفتات الذي يعطى له ممن ملكوا الأرض والسموات وما تحت الثرى. فليقل الكلمة التي يخاف منها ويخوف منها أبناءه. فليقل الكلمة التي تطيش في صدره ويحملها معه إلى قبره . فلا نامت أعين الجبناء
 


هل ترغب في التعليق على الموضوع؟
الاسم:  
عنوان التعليق:  
المدينة
كود التحقيق:
Code Image - Please contact webmaster if you have problems seeing this image code Load New Code
* من فضلك أدخل الحروف المكتوبة على الصورة كما تراها, إذا لم تتمكن من قراءة الحروف يمكنك الضغط على الرابط المجاور لها لإظهار مجموعة اخرى من الحروف
نص التعليق:  

 

 
Copyright @ 2006 Darussalam.ae