نسخة للطباعة أرسل لصديق     عدد القراء 116

الرئيسية >> حديث الشهر

أصلاح المال : الرؤية الكونية (2)

إقرأ للكاتب أيضا

أضيف بتاريخ :
 

                              اصلاح المال : الرؤية الكونية (2)

رأينا في الحلقة السابقة كيف أن المنهج الأسلامي يؤكد على وجود الدوافع والغرائز باشكالها ويؤكد كذلك على أهمية ضبطها لتحقيق وظائفها في الحياة الدنيا وتحقيق سعادة صاحبها في الدنيا وألاخرة . بعد ذلك يذكرنا الخالق سبحانه وتعالى بأن المالك الأصلي للمال الذي لدينا هو الله سبحانه وتعالى ونحن مستخلفون فيه وذلك في قوله: " آمنوا بالله ورسوله وانفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه[1] ، أي ان الله سبحانه وتعالى يريد أن يقلل من شدة الأنانية والفردية والتهافت على الدنيا بتنبيهنا الى أن كل مالدينا هو من نعم الله لأنه هو الرزاق وما نحن الا وكلاء ومستخلفين فيه ، وهذا يعني أن الأسلام يقر بالملكية الفردية ولكنه يقيدها بالضوابط التي يشرعها الخالق وهذا الشعور لدى المسلم يجعله اكثر حرصا على حسن استخدام الموارد التي وكل وفيها وهذا امر طبيعي فليس هناك موكل لايرغب في ارضاء موكله خاصة اذا كان هذا الموكل هو الله الذي يرزق ويبارك ويثيب عباده في هذه الدنيا وفي الآخرة ، كما وان شعور الأنسان بان الله هو الرزاق يجعله أكثر ثقة في نفسه واكثر جرأة في الثبات على مبادئه واقل خوفا من قدرة بقية الخلق على حرمانه من هذا الرزق ، ولاشك أن هذا الشعور يوجد مجتمعا افراده اكثر استقامة وتمسكا بالحق . وشعور الأنسان بأنه مستخلف في ما يملك له كثير من الاثار الأيجابية على سلوكه تجاه هذا المال ، حيث أنه يكون أكثر ميلا للألتزام بقوانين وارشادات المالك الأصلي ، ويكون كذلك أقل عبودية لهذا المال ، ويكون أقل جشعا في تعامله به ، وأخيرا يكون أكثر مسؤولية تجاه مجتمعه احساسا منه بأن للمال وظيفة اجتماعية لابد من الأنتباه لها والألتزام بها والا فانه يعرض نفسه لعقوبات وضعها المالك الأصلي للمال لردعه عن سوء استغلاله لهذا المال والتي تتنوع بتنوع المخالفات التي يقع فيها هذا الأنسان [2].

بعد ذلك يخبرنا الحق سبحانه وتعالى أن استخدامنا لهذا المال يجب أن يكون موجهاً لتحقيق رضا الله ونيل جنته، مع عدم حرمان النفس من نعم الدنيا والتأكيد على شكر الخالق بالإحسان إلى الناس وذلك بقوله: "وابتغ في ما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنسى نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك ولا تبغِ الفساد في الأرض"[3] وقوله "وما خلقت الجن والأنس إلا ليعبدونِ"[4]. نعم المطلوب من المسلم النظر الى الآخرة كغاية نهائية وكحياة دائمه ولتحقيق ذلك لابد من جعل الدنيا محطة عبور او مزرعة تجنى ثمارها في الآخره ، فاذا نجح الأنسان في ادارك هذا التفاوت في وزن واهمية كل من الدنيا والآخرة في ميزان فلاحه الدائم فانه ولاشك سيحرص على السيطرة على نزواته ورغباته واهوائه وسيحرص على مصادر كسبه ووجوه انفاقه لأنه يعلم ، ان هناك موت وبعث ، وأن هناك ثواب وعقاب ، وأن هناك جنة و نار، وبالتالي فان العاقبة ستتحدد بالكيفية التي يتصرف بها هذا الأنسان في الحياة الدنيا بالأموال التي أؤتمن عليها مصداقا لقوله تعالى : " يومئذ يصدر الناس أشتاتا ليروا اعمالهم . فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره . ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره " [5]. وقوله سبحانه تعالى : " انا جعلنا ماعلى الأرض زينة لها لنبلوهم ايهم احسن عملا "[6] ، أي أيهم اكثر اخلاصا لله في انفاقه لهذا المال وايهم اكثر التزاما بشرعه في انفاق هذا المال لأن معياري قبول الأعمال عند الله كما هو معلوم هما اخلاص العمل لله والتأكد من انسجام العمل مع أومره ونواهيه .

بعد تحديد المالك الفعلي للموارد التي بين أيدينا ، وبعد تحديد الغاية النهائية من استخدامها ، يرسم لنا الحق سبحانه وتعالى الكيفية التي نقوم بها بدور الخلافة في قوله تعالى : "هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها"[7] وقوله تعالى : "هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه واليه النشور" [8] ، أي أن خلافة الله في الأرض تحتم على الإنسان أن يعمر هذه الأرض وذلك باكتشاف مقدراتها ، ونواميسها ، وقوانيها ، والاستفادة منها في تطوير حياته والارتقاء بها مادياً وروحياً، ولكن طبقا للثوابت التي وضعها الخالق والمالك الأصلي ، حتى لا يميل الإنسان إما إلى التقاعس بكل صوره ، أو الظلم بكل أشكاله ، أو إلى الإسراف بكل درجاته وأنواعه. وحتى تكون علاقات الأفراد والدول منتجة ومحققة لعمارة الأرض وتنميتها ، يأمرنا الخالق سبحانه وتعالى أن نؤسسها على التراضي وأن لا يكون هناك استغلال من أحد لأحد مصداقا لقوله تعالى : " يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراضٍِ منكم "[9].أي أن علاقات البشر لا بد أن تقوم على التراضي سواء كان ذلك في التجارة أو في غيرها ولا بد أن يخلو هذا التعامل من كل صور الظلم التي يعرفها الشَرع وقد لا يراها الإنسان في بعض جوانب الحياة، إما لقصر نظر أو لضعف موقف ، أو بسبب الجهل بالعواقب ، أو أتباعاً لهوى في النفس ، فمثلا الأنسان قد لايرى في الربا ظلما ولكن التجارب اثبت ان هذا السلوك هو عين الظلم سواء كان ذلك في مايتعلق بتكديس الثروة في ايدي القلة ، او في التشجيع على التقاعس والكسل من قبل الأغنياء ، او في زيادة معدلات الأسعار لأن الفائدة كلفة تضاف الى تكاليف المنتج ، او في انهيار المؤسسات المالية وما يعنيه من عدم استقرار اقتصادي كما رأينا في بيع الديون بالديون في ازمة العقارات الأخيرة . ولابد كذلك من الأتجاه الى الطيبات انتاجا واستهلاكا وترك الخبائث بكل أشكالها مصداقا لقوله تعالى: " يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم " [10]. وكذلك قول رسولنا صلى الله عليه وسلم :" من يأخذ مالا بحقه يبارك له فيه ، ومن يأخذ مالا بغير حقه ، فمثله مثل الذي يأكل ولايشبع " [11].

هذه القيم والمعتقدات وغيرها من ما سيأتي ذكره في سياق الحديث عن مجالات الكسب والأنفاق في المجتمع الإسلامي هي منظومة من خالق الإنسان وهو أعرف بطبيعته لأنه خالقه :" ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير([12]، وهذه المنظومة هي عبارة عن نظام رقابي ذاتي يرافق الإنسان في كل لحظة لأن كل عمل يقوم به هو عبادة لله يثاب عليه في الدنيا والآخرة، وهو أكثر فعالية من النظام الرقابي الخارجي الذي تعتمده المجتمعات المعاصرة من قوانين تحكم أداء المؤسسات من الداخل أو من الخارج، كما وأن النظام الرقابي الذي يغرسة الإسلام في أتباعه هو أقل كلفة وأكثر فعالية عندما يتشبع به الفرد ، وهو صمام أمان لحماية البشرية من المثالب الكثيرة التي رأينا النظم المعاصرة تفرزها. وقد يخطر ببال من يتذكر تجربة الصراع بين الدين والعلم في الغرب بأن هذه الثوابت ستكون قيوداً على التطور والإبداع وعلى حرية الإنسان، وردنا السريع والمختصر عن هذه التساؤلات هو أن الحضارة الإسلامية حققت نجاحاتها ووصلت أوج ازدهارها في ظل هذه الثوابت العقائدية والأخلاقية ، بل إننا نجزم بأن هذه الأمة بدأت بالتراجع عن دورها الحضاري الرائد عندما بدأت تنسلخ من هذه الثوابت ولم تعد تستوعب مستجدات العصر في ظل هذه الثوابت ، مما أدى بدوره إلى ظهور الحضارة المعاصرة التي أبعدت الدين بكل صوره عن الساحة، وهكذا آلت البشرية إلى حضارة مادية تتركز رؤيتها على الدنيا دون الآخرة ، وعلى عالم الشهادة دون عالم الغيب ، وعلى الجسد دون الروح ، وعلى المادة دون القيم ، وعلى الفرد جون الجماعة ، وهكذا تحولت هذه الحضارة الى حضارة سجنت الأنسان في قفص الدنيا وحرمته من سعة الآخره وما توجده لديه من سمو ورفعة . ولقد شبهنا سابقا هذه الثوابت بخطوط ملعب كرة القدم التي لا يمكن أن تتم اللعبة بغيرها والخروج عنها فيه إخلال باللعبة وتكلفة للاعبين . فالثوابت العقائدية والأخلاقية وبقية الثوابت ترسم للإنسان الدائرة التي يستطيع أن يتحرك فيها مستخدماً كل طاقاته لعمارة الأرض ومن غير أن يوقع على نفسه أو غيره ضرراً باهضاً. وهذه الثوابت لا يمكن أن تترك للإنسان أن يضعها وإلا فإن معرفته القاصرة ، ونزواته المتعددة ، وتجربته المحدودة ستنعكس على وضعه لهذه الثوابت ، وبالتالي لن تكون هذه الثوابت ذات جدوى أو عدل ويكفينا مثالاً صارخاً على عدم قدرة الإنسان أن يضع القيم لنفسه، ما نراه اليوم من توجه لتقنين الزواج المثلي وحصول هذه الزيجات في الكنائس وللأسف في دول وصلت أوج التقدم المادي وتعتبر نموذجا يحتذى به في بقية دول العالم. هذه ليست إدانة للحضارة الغربية بكليتها وإنما هي تأكيد على الحاجة إلى نظام أخلاقي يستمد من الرسالات السماوية، ويكون من خالق هذا الإنسان ، بالضبط كما نطلب من صانع الآلة أن يضع لها دليل تشغيل وصيانة ، وكما نستشير الطبيب في تشخيص وعلاح المرض. فبالأضافة إلى كون هذه المنظومة العقائدية والأخلاقية أقدر على تفعيل طاقات الإنسان في هذه الحياة، فهي كذلك أقدر على زرع الرقابة الدائمة في هذا الإنسان، وذلك لأن هذه القيم والثوابت الشرعية يتجاوز أفقها الحياة الدنيا إلى الحياة الآخرة، وبالتالي فإن الفرد المؤمن يكون أفق حساباته للربح والخسارة مشتملاً على الدارين، فهو عندما يقبل على عمل ما يفكر في تكاليفه وعوائده ليس في هذه الدنيا الفانية ، وإنما في الدنيا والآخرة معاً، لأنه يدرك أن هناك موت وبعث وحساب. هذه النظرة البعيدة في حسابات الربح والخسارة التي تغرسها المعتقدات والقيم الإسلامية لا شك أنها تهذب سلوك الإنسان المسلم في هذه الدنيا وتجعله أكثر ميلاً للفضائل بكل صورها ، وأكثر ابتعاداً عن الرذائل بكل صورها، آملاً بالفوز في الدنيا والآخرة. طبعاً تأكيدنا على القيم والعقائد كأداة لتأصيل الرقابة والمسؤولية في سلوكيات الفرد المتدين، لا تعني أننا نهمل الرقابة الخارجية أو المؤسسية، ولكننا نعتقد أن تجارب الدول المعاصرة تؤكد من غير أدنى شك أن الرقابة الخارجية تبقى قاصرة ما لم يكن لدى الإنسان وازعاً ذاتياً يدفعه إلى الخير ويبعده عن الشر حتى في غياب الآخرين، فالإحسان كما يقول رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم ردا على سؤال جبريل عليه السلام هو" ..أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك"[13] . ففي كل هذه الايات والأحاديث نرى التأكيد على وجود الدوافع والغرائز مع محاولة ضبطها والسيطرة عليها وذلك بالتذكير بأن ما ينتظر الأنسان في ألاخرة هو افضل وادوم من هذه الغرائز الوقتية والمكاسب الدنيوية .هذا الشعور لدى المسلم بان ما سيحصل عليه في الآخره من نعم وموارد هي اعظم وادوم من النعم والموارد الحالية يجعله اكثر قناعة وأكثر اعتدالا وعدلا في ممارسته لدوافعه وغرائزه باشكالها في هذه الحياة الدنيا خوفا من الخسران في الآخرة . ولاشك ان هذا الأثر كان مشاهدا في حياة المسلمين في السابق . " تقول عائشة رضي الله عنها : أنفق أبوبكر على النبي ، صلى الله عليه وسلم ، أربعين ألفا ، ولما طلب الرسول من الصحابة تجهيز جيش العسرة في غزوة تبوك ، تقدم الصحابة بمال وجاء عثمان بمال كثير ، وجاء عمر بنصف ماله ، وجاء أبوبكر بكل ماله ، فقال له الرسول ، صلى الله عليه وسلم ، ماذا أبقيت لأهلك يا ابابكر ؟ قال : أبقيت لهم الله ورسوله"[14] . هكذا كانت ثمار الرؤية الكونية الأسلامية في الجيل الأول ، اما اليوم فقد خبت أثر هذه الرؤية في سلوكيات المسلمين . ولاشك انه كل ما كان المستوى الأيماني للفرد اعلى كلما كانت استجابته لهذه النداءات العقائدية والأخلاقية اكبر ، وهذا يعني انه كل ما استشعر الأنسان رقابة الله له كلما زادت الرقابة الداخلية لديه وارتقى في سلوكياته اي تراجعت فيه نزعات الظلم والخداع واالغش وغيرها من الرذائل والعكس صحيح ، وهكذا تصبح حاجته للرقابة الخارجية اقل بكثير. وسنرى لاحقا كيف حرص الأسلام على ابقاء شعلة ألأيمان متقدة حتى يجني الأنسأن ومعه المجتمع ثمرتها في شتى مناحي الحياة .

والى اللقاء في الحلقة القادمة



[1] المصدر نفسه، "سورة الحديد،" الآية 7 .

[2] يوسف القرضاوي (1996) دور القيم والأخلاق في الأقتصاد الأسلامي ، الطبعة الأولى ، مؤسسة الرسالة ، بيروت- لبنان، ص.ص:52-56 .

[3] المصدر نفسه، " سورة القصص،" الآية 77.

[4] المصدر نفسه، " سورة الذاريات،" الآية 56.

[5] المصدر نفسه ، سورة الزلزلة ، الآيات 5-8 .

[6] المصدر نفسه ، سورة الكهف ، الآية 7 .

[7] المصدر نفسه، " سورة هود،" الآية 61 .

[8]المصدر نفسه، " سورة الملك،" الآية 15 .

[9] القرآن الكريم، " سورة النساء،" الآية 29.

[10] القرآن الكريم ، سورة البقرة ، الآية 172 ) .

[11] أخرجه مسلم في صحيحه في كتاب الزكاة (121) ,ابن ماجة في سننه (3995) ، واحمد بن حنبل في مسنده (73) .

[12] المصدر نفسه، "سورة الملك،" الآية 14.

[13] جامع العلوم والحكم لأبن رجب ، مؤسسة الرسالة ، الطبعة السابعة (2001) ، بيروت – لبنان ، ص. 93 .

[14] رواه أبوداود رقم 1678 والترمذي رقم 3676 وقال : حديث حسن صحيح .

 
 
 نسخة للطباعة أرسل لصديق     عدد القراء 116


هل ترغب في التعليق على الموضوع؟
الاسم:  
عنوان التعليق:  
المدينة
كود التحقيق:
Code Image - Please contact webmaster if you have problems seeing this image code Load New Code
* من فضلك أدخل الحروف المكتوبة على الصورة كما تراها, إذا لم تتمكن من قراءة الحروف يمكنك الضغط على الرابط المجاور لها لإظهار مجموعة اخرى من الحروف
نص التعليق:  

 

 
Copyright @ 2006 Darussalam.ae