الأستبداد والترقي (3) وتوصف حركة الترقي والأنحطاط في الشؤون الحيوية للأنسان انها من نوع الحركة الدودية ، التي تحصل بالأندفاع والأنقباض ، وذلك أن الأنسان يولد وهو أعجز حراكا وادراكا من كل حيوان ، ثم يأخذ في السير تدفعه " الرغائب" النفسية والعقلية وتقبضه " الموانع " الطبيعية والمزاحمة . وهذا سر أن الأنسان ينتابه الخير والشر. وهو سر ما ورد في الأثرمن أن الخير مربوط بذيل الشر ، والشر مربوط بذيل الخير ، وهو المراد من أقوال الحكماء نحو : على قدر النعمة تكون النقمة ؛ على قدر الهمم تأتي العزائم ، بين السعادة والشقاء حرب سجال ، العاقل من يستفيد من مصيبته والكيس من يستفيد من مصيبته ومصيبة غيره ، والحكيم من يبتهج بالمصائب ليقطف منها الفوائد ؛ ما كان في الحياة لذة لو لم يتخللها آلام .
فاذا تقرر هذا فليعلم أيضا أن سبيل الأنسان هو الى الرقي ، مادام جناحا الأندفاع والأنقباض فيه متوازيين كتوازن ألأيجابية والسلبية في الكهربائية ، وسبيله القهقري ان غلبته الطبيعة أو المزاحمة . ثم ان الأندفاع اذا غلب فيه العقل النفس ، كانت الوجهه الى الحكمة ، وان غلبت النفس العقل ، كانت الوجهه الى الزيغ . أما الأنقباض فالمعتدل منه هو السائق للعمل ، والقوي منه مهلك مسكن والمبتلون به هم المساكين . نعم : اسراء الأستبداد أحق بوصف المساكين من عجزة الفقراء .
ولو مذلك الفقهاء حرية النظر لخرجوا من الأختلاف في تعريف المساكين الذين جعل لهم الله نصيبا من الزكاة فقالوا : هم عبيد الأستبداد ، ولجعلوا كفارات فك الرقاب تشمل هذا الرق الأكبر .
أسراء الأستبداد حتى الأغنياء منهم كلهم مساكين لاحراك فيهم ، يعيشون منحطين في الأدراك ، منحطين في الأحساس ، منحطين في الأخلاق . وما أظلم توجيه اللوم عليهم عليهم بغير لسان الرأفة والأرشاد ، وقد ابدع من شبه حالتهم بدود تحت صخرة ، فما أليق باللائمين ان يكونوا مشفقين يسعون في رفع الصخرة ول حتا بالأظافر ذرة بعد ذرة .
قد اجمع الحكماء على أن أهم ما يجب عمله على الآخذين بيد الأمم ، الذين فيهم نسمة مروءة وشرار حمية ، الذين يعرفون ماهي وظيفتهم بأزاء الأنسانية الملتمسين لأخوانهم العافية ، أن يسعوا في رفع الضغط عن العقول لينطلق سبيلها في النمو فتمزق غيوم الأوهام التي تمطر المخاوف ، شأن الطبيب في اعتنائه أولا بقوة جسم المريض ، وأن يكون الأرشاد متناسبا مع الغفلة خفة وقوة : كالساهي ينبه الصوت الخفيف ، والنائم يحتاج الى صوت أقوى والغافل يلزمه صياح وزجر . فالأشخاص من هذا النوع الأخير يقتضي لأيقاضهم الآن بعد أن ناموا اجيالا طويلة ، أن يسقيهم النطاسي البارع مرا من الزواجر والقوارص علهم يفيقون ، والا فهم لايفيقون ، حتى يأتي القضاء من السماء : فتبرق السيوف وترعد المدافع وتمطر البنادق ، فحينئذ يصحون ولكن صحوة الموت !
بعض الأجتماعيين في الغرب يرون أن الدين يؤثر على الترقي الأفرادي ثم الأجتماعي تأثيرا معطلا كفعل الأفيون في الحس ، او حاجبا كالغيم يغشى نور الشمس . وهناك بعض الغلاة يقولون : الدين والعقل ضدان متزاحمان في الرؤوس ، وان أول نقطة من الترقي تبتديء عند آخر نقطة من الدين . وان اصدق ما يستدل به على مرتبة الرقي وألأنحطاط في الأفراد أو في الأمم الغابرة والحاضرة ، هو مقياس الأرتباط بالدين قوة وضعفا .
هذه الآراء كلها صحيحة لامجال للرد عليها ، ولكن بالنظر الى الأديان الخرافية أساسا أو التي لم تقف عند الحكمة ، كالدين المبني على تكليف العقل بتصور أن الواحد ثلاثة والثلاثة واحدا . لأن مجرد الأذعان لما لايعقل برهان على فساد بعض مراكز العقل ، ولهذا اصبح العالم المتمدن يعد الأنتساب الى هذه العقيدة من العار لانه شعار الحمق .
أما الأديان المبنية على العقل المحض كالأسلام الموصوف بدين الفطرة ، ولا اعني بالأسلام ما يدين به أكثر المسلمين الآن ، انما أريد بالأسلام : دين القرآن ، أي الدين الذي يقوى على فهمه من القرآن كل انسان غير مقيد الفكر بتفصح زيد أو عمرو.
فلا شك أن الدين اذا كان مبنيا على العقل ، يكون أفضل صارف عن الوقوع في مصائد المخرفين ، وانفع وازع يضبط النفس من الشطط ، وأقوى مؤثر لتهذيب الأخلاق ، وأكبر معين على تحمل مشاق الحياة ، وأعظم منشط على الأعمال المهمة الخطرة ، وأجل مثبت على المباديء الشريفة ، وفي النتيجة يكون أصح مقياس يستدل به على الأحوال النفسية في الأمم والأفراد رقيا وانحطاطا .
هذا القرآن الكريم اذا أخذناه وقرأناه بالتروي في معاني الفاظه العربية وأسلوب تركيبه القرشي ، مع تفهم أسباب نزول آياته وما أشارت اليه ، ومع التبصر في مقاصده الدقيقة وتشريعه السامي ، ومع أخذ بعض التوضيحات من السنة العملية النبوية أو الأجماع ان وجدا ، وقلما يوجدان ، فحينئذ لانرى فيه من أوله الى آخره غير حكم يتلقاه العقل بالأجلال والأعظام ، الى درجة انقياد العقل طوعا أو كرها للأيمان اجمالا بأن تلك الحكم حكم عزيزة الهية ، وأن الذي انزله الله على قلبه هو أفضل من أرسله الله مرشدا لعباده .
وتوضيح ذلك : ان الناظر في القرآن حق النظر يرى انه لايكلف الأنسان قط بالأذعان لشيء فوق العقل ، بل يحذره وينهاه من الأيمان اتباعا لرأي الغير أو تقليدا للآباء . ويراه طافحا بالتنبيه الى اعمال الأنسان فكره ونظره في هذه الكائنات وعظيم انتظامها ؛ ثم ألأستدلال بذلك الى ان لهذه الكائنات صانعا أبدعها من العدم ، ثم الأنتقال الى معرفة الصفات التي يستلزم العقل أن يكون هذا الصانع متصفا بها ، أو منزها عنها ، ثم يرى القرآن يعلم الأنسان بعض أعمال وأحكام واوامر ونواه كلها لاتبلغ المائدة عددا ن وكلها بسيطة معقولة ، الا قليلا من الأمور التعبدية التي شرعت لتكون شعارا يعرف به المسلم اخاه ، أو يستطلع من خلال قيامه بها أو تهاونه فيها اخلاقه ، فيستدل مثلا بالتكاسل عن الصلاة على فقد النشاط ، وبترك الصوم على عدم الصوم ، وبالسكر على غلبة النفس العقل ونحو ذلك .
وكفى بالأسلامية رقيا في التشريع ، رقيها بالبشر الى منزلة حصرها اسارة (أي عبودية) الأنسان في جهة شريفة واحدة هي (الله) ، وعتقها عقل البشر عن توهم وجود قوة ما ، في غير الله ، من شأنها أن تأتي للأنسان بخير ما ، أو تدفع عنه شرا ما . فالأسلامية تجعل الأنسان لايرجو ولا يهاب من رسول أو نبي او ملك او فلك ، أو ولي أو جني ، أو ساحر او كاهن ، أو شيطان او سلطان .
وأعظم بهذا التعليم الذي يرمي الأنسان به عاتقه جبالا من الخوف والأوهام والخيالات ، جبالا اعتقلها منذ كان يسرح مع الغيلان ، أو ورثها من أبيه الذي طغاه شيطان النفس . أو ليس العتيق من الأوهام يصبح صحيح العقل ، قوي الأرادة ، ثابت العزيمة ، قائده الحكمة ، سائقه الوجدان ، فيعيش حرا ، فرحا صبورا فخورا . لايبالي حتى بالموت لعلمه بالسعادة التي يستقبلها ، التي يمثلها له القرآن بالجنان فيها الروح والريحان ، والحور والغلمان ، فيها كلما تشتهي النفس وتقر به العينان .
وأن هؤلاء المنكرين فائدة الدين ، ماأنكروا الا من عدم اطلاعهم على دين صحيح مع ياسهم من اصلاح مالديهم ، عجزا عن مقاومة أنصار الفساد . واذا نظرنا في أن هؤلاء انفسهم هم في آن يشددون النكير على الدين من جهة قائلين ان ضرره أكبر من نفعه ، ويهيجون من جهة أخرى مؤثرات أدبية وهمية محضا يرون أنه لابد منها في بناء الأمم ، و ذلك مثل حب الوطن وخيانته ، وحب الأنسانية والأساءة اليها ، والسمعة الحسنة وعكسها ، والذكر التاريخي بالخير أو الشر ونحو ذلك مما هو لاشيء في ذاته ، ولاشيء ايضا بالنسبة الى تأثير طاعة الله والخوف منه ، لأن (الله) حقيقة لاريب فيها ، بل ولاخلاف الا في الأسماء بين (الله) وبين (مادة) أو (طبيعة) . ولولا أن الماديين والطبيعيين يأبون الأسترسال في البحث في صفات مايسمونه مادة أو طبيعة ، لألتقوا ولا شك مع الأسلام في نقطة واحدة فارتفع الخلاف العلمي وأسلم الكل لله .