مفاهيم ينبغي أن تصحح : مفهوم لأاله الا الله (16)
فتبين من ذلك أن محك صدق الأيمان – بعد اكتمال الدين – أصبح هو التحاكم الى شريعة الله بعد سلامة الأعتقاد وأداء العبادات . وأن سلامة الأعتقاد وحدها لم تعد تكفي . ولم يعد يكفي كذلك سلامة الأعتقاد وأداء العبادات ، لأن لااله الا الله صارت ذات مقتضيات أكثرها مما كان لها من المقتضيات في مكة . وألأيمان بلا اله الا الله يقتضي الألتزام بكل ما لها من المقتضيات (مع وقوع المعصية التي لاتنقض أصل الألتزام) . فحين كان كل مقتضى لااله الا الله في مبدأ الدعوة في مكة هو الأيمان بوحدانية الله – سبحانه وتعالى – والأيمان بأنه أرسل رسوله – صلى الله عليه وسلم – ليبلغ عنه ، كان الأيمان بذلك هو كل المطلوب من أي أنسان يدخل في دين الله . ولما فرضت بعض العبادات صار المقتضى المطلوب هو الأيمان بوحدانية الله وارساله لرسوله – صلى الله عليه وسلم – وأداء تلك العبادات ، فلما تمت العبادات في المدينة وأنزلت الأحكام صار المقتضى المطوب هو الأيمان بالله ورسوله (وما حول ذلك من تفاصيل حددها الوحي ) والقيام بالعبادات المفروضة ، والألتزام بشرع الله . ولم تعد واحدة من هؤلاء تغني عن اختها أو تجزيء عنها .
ولكن المنافقين لم يكونوا يجادلون في قضية التوحيد ، ولم يكونوا يجادلون كذلك في أمر العبادات (وان أدوها في فتور كسل ) ولكنهم كانوا يزورون ويعرضون عن الأحكام التي تضبط تصرفات المؤمن في حياته الدنيا ، فيميلون عنها الى حكم الطاغوت ( وهو كل حكم غير حكم اللهكما أسلفنا) . لذلك ركزت الآيات القرآنية في المدينة – بمناسبة الحديث عن المنافقين – على قضية الحكم بما أنزل الله ، لأنها هي القضية التي كانت مثارة يومئذ [1] ، ونزل قول الله الحاسم :
" ومن لم يحكم بما أنزل الله فاولئك هو الكافرون"[2]
" ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون"[3]
"ومن لم يحكم بما أنزل الله فاولئك هم الفاسقون"[4]
" أفحكم الجاهلية يبقون ؟ ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون"[5].
من أعجب العجب أن يقول لك قائل . ن الله قد أنزل فيهم هذا الحكم لأنهم كانوا منافقين ! فقال عنهم : انهم لايؤمنون حتى يحتكموا الى شريعة الله !! أما لو كانوا مؤمنين فلم يكن الله ليشترط عليهم هذا الشرط !!!
عجبا ! وكيف أصبح المؤمنون مؤمنين ؟ !
ولماذا صار المنافقون منافقين ؟!
هل كان المؤمنون مؤمنين الا بأنهم تحاكموا الى شريعة الله مع سلامة الأعتقاد وأداء العبادات ؟!
وهل كان في وسعهم أن يكونوا مؤمنين بغير ذلك ؟!
" انما كان قول المؤمنين اذا دعوا الى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا ، وأولئك هم المفلحون"[6]
" وما كان لمؤمن ولا مؤمنة اذا قضى الله ورسوله امرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم "[7].
انما أصبح المؤمنون مؤمنين لأنهم التزموا – منذ قالوا لااله الا الله محمد رسول الله – أن يقروا ويذعنوا لما جاء من عند الله . فلما دعاهم أن يحتكموا الى شريعته قالوا : سمعنا وأطعنا ، فاستمرت لهم صفة الأيمان لأنهم ظلوا عاملين بمقتضى لااله الا الله .
ولم يكن وجوب التحاكم الى شريعة الله مفروضا على المنافقين وحدهم لانهم منافقون ! ! بل هو مفروض على كل من يقول لااله الا الله محمد رسول الله . فان التزم بذلك مع التسليم النفسي والرضى فاولئك هم المؤمنون . أما ان أذعن اذعانا ظاهرا وهو في دخيلة نفسه غير راض ولامسلم فاولئك هم الذين قال الله عنهم انهم منافقون (وهم مع ذلك يكونوا ممتنعين امتناعا ظاهرا لأنهم حينئذ يصبحون مرتدين لامنافقين ن ويكون جزاؤهم في المجتمع المسلم هو القتل).
وخلاصة الأمر أن قضية التشريع ترتبط ارتباطا مباشرا وثيقا بلا اله الا الله . وأن هذا الأرتباط لايمكن أن ينفصم في أي حال من الأحوال .
انما قال الفقهاء في قوله تعالى : "ومن لم يحكم بما أنزل الله فاولئك هم الكافرون " انه لايكفر الا اذا كان مستحلا وانه ان لم يكن مستحلا فهو كفر دون كفر ..كفر لايخرج من الملة .
فالقاضي الذي يحكم بغير ما أنزل الله في القضية المعروضة عليه لأنه ارتشى من أحد الخصمين لايكفر بذلك وان كان آثما يتعرض لسخط الله وغضبه .
والمتأول الذي اجتهد فأخطأ فحكم في الأمر المعروض عليه بغير ما أنزل الله لااثم عليه ، بل له أجر اجتهاده مادام قد أخلص النيه فيه .
الى ىخر تلك الحالات التي عددها الفقهاء .
نعم .. ولكن ذلك كله لاينصرف الى التشريع بغير ما أنزل اله فالحكم في قضية معروضة بغير ما أنزل الله ، بدافع من الدوافع المذكورة في كتب الفقه ، بغير استحلال ذلك الحكم ، هذا شيء ، والتشريع بغير ما أنزل الله شيء آخر مختلف بالمرة . لأنه في الحالة الأولى لاينقض اعترافه واقراره بأن شرع الله هو المرجع الذي يرجع اليه في الحكم وان خالف في التنفيذ . أما في الحالة الثانية فهو يضع من عند نفسه – بغير سلطان من الله – شرعا آخر مخالف لشرع الله ، ثم يقول – بلسان الحال أو بلسان المقال – لاتنفذوا شرع الله ، ولكن نفذوا هذا الشرع الذي وضعته لآنه مماثل لشرع الله ، أو لأنه افضل من شرع الله ، أو لأنه أنسب من شرع الله !
وهذا الأمر لم يختلف الفقهاء في تاريخ الأسلام كله على أنه كفر مخرج من الملة .
وأمر آخر لم يختلف الفقهاء في تاريخ الأسلام كله على أنه كفر مخرج من الملة ن هو الرضى عن علم وارادة بشرع غير شرع الله ، ولايدخل في ذلك الأكراه بطبيعة الحال لأن الأكراه ينتفي فيه الرضى ، ولذلك قال تعالى :
"من كفر بالله من بعد ايمانه – الا من أكره وقلبه مطمئن بالأيمان – ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم "[8].
فالتشريع بغير ما أنزل الله ، والرضى بتشريع مخالف لما أنزل الله ، كلاهما – في حكم الله – نقض للا اله الا الله ، لذلك نزل فيه الحكم القاطع الحاسم : "ومن لم يحكم بما أنزل الله فاولئك هم الكافرون"[9] .
يقول الأمام ابن كثير في تفسير قوله تعالى : " أفحكم الجاهلية يبغون ؟ ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون":
" ينكر تعالى على من خرج عن حكم الله المشتمل على كل خير ، الناهي عن كل شر ، وعدل الى ما سواه من الآراء والأصطلاحات التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة الله . كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الضلالات والجهالات مما يضعونها بأهوائهم وآرائهم ، وكما يحكم به التتار من السياسات الملكية المأخوذة عن ملكهم جنكيز خان الذي وضع لهم السياق ، وهو عبارة عن كتاب مجموع من أحكام قد أقتبسها من شرائع شتى من اليهودية والنصرانية والملة الأسلامية وغيرها ، وفيها كثير من الأحكام أخذها بمجرد نظره وهواه ، فصارت في بنيه شرعا متبعا يقدمونه على الحكم بكتاب الله وسنة رسوله – صلى الله عليه وسلم – فمن فعل ذلك منهم فهو كافر يجب قتاله[10] حتى يرجع الى حكم الله ورسوله ، فلا يحكم سواه في قليل ولاكثير"[11]
[1] وهي المثارة اليوم كذلك .
[2] سورة المائدة ، الآية 44 .
[3] سورة المائدة ، الآية 45 .
[4] سورة المائدة ، الآية 47 .
[5] سورة المائدة ، الآية 50 .
[6] سورة النور ، الآية 51.
[7] سورة الأحزاب ، الآية 36 .
[8] سورة النحل ـ الآية 106 .
[9] سورة المائدة ، الآية 44 .
[10]
[11][11] انظر تفسير ابن كثير ج2 ص68 .