نسخة للطباعة أرسل لصديق     عدد القراء 147

الرئيسية >> مقـــــــالات

الأسماك الصغيرة في منطقة الأسماك الكبيرة

إقرأ للكاتب أيضا

أضيف بتاريخ :
 

                       الأسماك الصغيرة في منطقة الأسماك الكبيرة
 
في كرة القدم، عندما يعجز الفريق الأفضل والأقوى عن إحراز الأهداف، بسبب لجوء الخصم الأضعف إلى تكثيف وجوده في منطقته الدفاعية وإغلاقها بشكل محكم يصعب اختراقه، فإن الفريق يواجه هذا التكتيك بتطبيق تكتيك معاكس يعتمد على سحب الخصم من منطقة الدفاع، وذلك بتهدئة وطأة الهجوم والتراجع إلى منطقة منتصف الملعب أو إلى حدود المنطقة الدفاعية للفريق، وعندما تنطلي الخدعة وينجح هذا التراجع في إغواء الخصم بالتخلي عن استراتيجيته التي كانت تحمي مرماه من استقبال الأهداف والتحوّل نحو الهجوم كاشفا ظهره، هنا تبدأ خطوطه الدفاعية في التفكك، ليستغل الفريق هذه الثغرة، ويشن هجوما ارتداديا منسقا وصاعقا لانتزاع هدف مباغت، هذا الهدف كفيل في العادة بانهيار حائط الدفاع المستميت كما تنهار كثبان الرمال أمام السيل الجارف، إذ لا تتبقى لدى الخصم مكاسب يدافع عنها وهي نتيجة التعادل حتى ما قبل لحظة تلقي الهدف، وفي ظل ضعف قوته الهجومية وغير القادرة على الوصول على مرمى الفريق لتحقيق التعادل، فإن مرماه قد يُفتح على مصاريعه لاستقبال المزيد من الأهداف.

ضريبة التواجد في منطقة الكبار

هذا التكتيك البسيط هو نفسه الذي دأب الاقتصاد العالمي على استخدامه ليخترق الاقتصادات الصغيرة، التي تجازف بتجربة التواجد في منطقة الأسماك الكبيرة في خطوة غير محسوبة النتائج، وفي حدس غير موفق للعواقب المحتملة، فلا تستفيق من أوهامها إلا بعدما تجد نفسها في منتصف المصيدة، في ظروف لا تكون العودة عندها إلى الوراء تفيد بأي شيء؛ وهكذا كان الانهيار المالي العالمي، كسابقاته من الأزمات والانهيارات والكوارث الاقتصادية، مجرد مصيدة أخرى وقعت فيها تلك الاقتصادات لمخاطرتها باللحاق بالطُّعم إلى عمق منطقة المخاطر العالية، وبدون أن تنتبه إلى أن الطعم كان كبيرا جدا بدرجة غير معقولة بحيث لا يمكنها ابتلاعه حتى لو تمكنت من الحصول عليه، فكان أن ذهبت مدخراتها ومكاسبها الاستثمارية وشحم شتائها هباء منثورا وثمنا بخسا لجشعها الساذج، ولتخلف أدواتها المالية والاستثمارية المستخدمة في دراسة سوق تحكمها شريعة الغاب؛ ورغم هدوء عاصفة الانهيار أو الأزمة المالية بعض الشيء، إلا أن الأسوأ من ذلك ما يزال في طريقه متجها نحو الاقتصادات الصغيرة، لأن الخسائر الحقيقية والأزمات العاصرة والخانقة لا تعني إعفاء تلك الاقتصادات من دفع ضريبة أو غرامة التجرؤ على التواجد في منطقة الكبار، وتوابع الأزمة هذه قد تكون أشد وطأة وأكبر حجما من خسارة أصل رأس المال المتبخر.

بعدما غزت التجاعيد الوجه القبيح لصنم الاقتصاد العولمي بأسرع مما توقع نحّاتوه وكهنته، وظهرت أنيابه ومخالبه البشعة، باشرت رموز الاقتصاد العالمي في مهاجمة نسخته الحالية الفاشلة، إرهاصا لإكسابه وجها تنكريا جديدا، بالقطع لن يكون الصنم الاقتصادي الجديد اشتراكيا، ولكنه لن يكون رأسماليا محضا أيضا، وقد يأتي خليطا من هذا وذاك، مع استعارة بعض الأدوات الاقتصادية الإسلامية بعد تعريضها لعمليات ماكياج أو "تقبيح" تنزع منها إسلاميتها؛ ولأن الاقتصاد العالمي لم يُشبع انتهازيته بعد، ولم يحقق غاياته الرامية إلى نهب آخر فلس مختبئ في خزائن الاقتصادات الضعيفة، فإنه بعملية الصيانة المزعومة هذه ما يزال يسعى لمزيد من جرجرة الخصم إلى منطقته، وتكرار نفس اللعبة بالارتداد إلى منطقة الدفاع، وربما بإغراء الخصم بإحراز هدف يُفقده توازنه ليجعله يتوهم القدرة على الندية والمجاراة وربما التفوق الفني، فيبتلع الطعم ويدفع بكامل ثقله متوهّما قدرته على قلب موازين القوى لصالحه؛ من أجل تمرير الخدعة المقبلة.

بكثير من الحزن والتأثر يتحدث العالم المتقدم اليوم عن فشل النظام المالي والاقتصادي (الانسحاب إلى الخطوط الخلفية)، وحاجة العالم إلى تصميم نظام مالي واقتصادي جديد (إعطاء مساحة كافية لإغراء الخصم لبدء هجوم مضاد)، والتمسكُن بإتاحة المجال أمام الاقتصادات الصغيرة "المغرورة" للمشاركة في تصميم هذا النظام (الوقوع في المصيدة)؛ لأن تحقيق هذا التغيير بهذه الكيفية يعني تبني النظام الجديد والاعتراف به من جميع الدول بلا استثناء، بما يجعلها ملزمة أدبيا وميثاقيا بالانصياع لكل التزاماته واشتراطاته بما فيها العيوب والأخطاء والألغام المدسوسة التي لن يكشفها إلا التجارب والممارسات (انفتاح الثغرة في الخطوط الدفاعية)؛ ولهذا فإن الاقتصاد العالمي سيضمن انضواء نحو أربعين دولة إسلامية أو أربعين فريسة محتملة ستقتتل من أجل تبنى النموذج الجديد، فقط لاعتقادها بأنه اقتصاد إسلامي، وبعد ابتلاع الطعم ووقوعها في الفخ سيبدأ عُرس جديد لنهب الثروة، تحت ظل وجه جديد للاستعمار والإمبريالية (إحراز الأهداف).

في ظل التفوق العسكري والسياسي والاقتصادي للدول الصناعية الكبرى، سيبقى أي نظام مالي واقتصادي جديدا كان أم قديما خاضعا لإدارة تلك الدول وسيطرتها، ولكنه سيكون في حالة النظام الجديد أكثر شراسة وعدوانية تجاه الدول الفقيرة والمستضعفة اقتصاديا، وذلك لأسباب، أولا: لأنه سيطبع أي انهيارات اقتصادية سواء أكانت انكماشات أو كسادات أو أزمات بطابع الشمولية، بمعنى أنه لن يخرج من أي انهيار أو كارثة اقتصادية عالمية قادمة أي ناجين، وهذا ما سيجعل الاقتصادات الفقيرة تتضرع إلى الله ليل نهار باذلة قصارى طاقاتها لكي تبقى الاقتصادات القوية قوية وأن تزداد قوة إلى قوتها، وأن يبقى الدولار واليورو والجنيه الاسترليني أقوياء حتى تستمد عملات الضعفاء منها بعض قوتها، وستحرص على أن تبقى شاشات التداول في بورصات نيويورك ولندن وطوكيو خضراء متصاعدة لكي تمُنّ ببعض الاخضرار على شاشاتها التابعة، وستضحي بمدخراتها وقروشها البيضاء لتستهلك في الأيام السوداء بشراء منتجات المصانع الألمانية والفرنسية والصينية أكثر مما تحتاج أو تطيق، وستنقل استثماراتها إلى عقر دار الدول الصناعية لتصنع الملايين من فرص العمل في تلك المجتمعات، بينما ستترك مواطنيها يرزحون بين مطرقة البطالة وبين سندان الخطوط الدنيا للفقر والفاقة، وستتنازل للدول الصناعية عن ثرواتها الطبيعية وعن مواردها البشرية الماهرة والرخيصة الأجور لكي لا تفلس تويوتا أو تغلق جنرال موتورز مصانعها، كل هذا وأكثر منه لكي يدوم الاقتصاد القوي متعافيا قويا، ويترنح اقتصادها الذيلي الهزيل محاولا الاحتفاظ برمق البقاء فقط، فهذا في اعتقاد الهَلِعين والأُجَراء خير من الموت في ساحات التضحيات والمبادرات.

ثانيا، أي نظام مالي واقتصادي شامل سيمنح الدول الصناعية والاقتصادات القوية مزايا أفضلية على حساب الاقتصادات الضعيفة، لأنها المرشحة أكثر من سواها لإدارة هذا الاقتصاد وتحريكه وابتكار الأدوات المالية والنقدية والمصرفية والاقتصادية التي تنظم العمل والتعاون والتبادل التجاري في إطاره، وهي التي ستسن مواثيقه واتفاقياته ومعاهداته الدولية، وهي التي ستقبض على زمام المرجعية الشرعية وحق التدخل الذي يبيح لها ردع المخالفين ولاسيما غير المدللين منهم بالعقوبات الجماعية، أو تأديب المزعجين من الاقتصادات التي ستحاول أن تقفز من خانة الضعفاء إلى خانة الأقوياء، وهي التي ستستأثر بالحصانة التي تصد عنها اتهامات الحثالة لها بالتجاوزات أو الخروقات؛ ثالثا، هذا النظام الجديد لا بد وأن يعطي الاقتصادات القوية مزيدا من التسلط على الاقتصادات الضعيفة التي تتمتع بمزايا نسبية كدول النفط أو دول اليورانيوم، والتي قد تراودها نفسها ذات يوم بالتلاعب بمصائر الاقتصادات المتطورة من خلال تحكمها في توزيع الطاقة، إذ سيعمد العمالقة إلى إبقاء الأقزام دائما وأبدا مجرد صهريج كبير لتخزين تلك الطاقة الشديدة الأهمية والرخيصة الثمن، ولتوفيرها لتلك الاقتصادات متى شاءت وبالأسعار التي تريدها، على أن لا يُسمح لها باستخدام عوائدها إلا في الأغراض الاستثمارية والمجالات التنموية التي يحددها لها أولياء أمر الاقتصاد العالمي؛ ورابعا، فإن النظام الجديد لن يتوقف عند حدود التعليمات والإرشادات الاقتصادية والمالية، بل سيتمادى بالضرورة إلى حد التدخل في الشؤون الثقافية والاجتماعية، وتأمين مكتسباته بقواعد عسكرية ولوجستية، وسيتدخل حتى في شكل النظام السياسي وهيكليته وطريقة تكوينه.

لهذه المحاذير المخيفة، ولأن موازين الأفضلية والتفوق ستبقى طويلا في صالح الطرف القوي، بما يعني أن أي هجوم مضاد تتحامق الدول والاقتصادات الضعيفة على المغامرة به قد ينقلب إلى تسجيل مزيد من الأهداف في مرماها، وباستثناء بعض التمريرات الطويلة أو التسديدات عن بعد من قبيل التبادل التجاري أو مقايضة السلع الصناعية بالمواد والثروات الطبيعية، فإن الدول والاقتصادات الضعيفة يجب أن لا تجازف بالمقامرة بأي محاولة هجومية لا من العمق ولا من الأطراف لأنها ستكون الخاسر الأكبر لا محالة في كل الظروف؛ ولأن التكتيكات الدفاعية للاقتصادات الضعيفة لا يمكنها الصمود طويلا في مواجهة التزامات النظام الاقتصادي الجديد وضغوطاته واشتراطاته القاسية، وحتى لا تتحول هذه الاقتصادات إلى مجرد شركات كبيرة تابعة لأحد الاقتصادات المفرطة التعملق، فإنه ينبغي على الاقتصادات المغلوب على أمرها الرجوع إلى خطوطها الدفاعية قبل فوات الأمر، والاحتماء وراء كيان اقتصادي قادر على الصمود على أقل التقديرات، كما يحتمي الأقوياء أنفسهم وراء كيانات وتكتلات عسكرية كحلف الناتو، واقتصادية كدول الثمانية، وسياسية كالاتحاد الأوروبي، وهذا يُحتّم على الضعفاء بناء نموذج اقتصادي قوي ومتماسك يقوم على تكوين تكتل اقتصادي ضخم، مثل تكتل السوق العربية المشتركة، ولكن ليس بالشكل الحالي لهذا التكتل الشكلي المشلول الذي لم يتوصل منذ تأسيسه إلى مجرد اتفاق على المبادئ، والذي أهدر عقودا طويلة من الزمن دون أن يحقق شيئا ذا بال من أهدافه وبرامج عمله، وهو بهذه الوضعية لا يصلح أن يصبح تكتلا منافسا أو قادرا على مواجهة مساوئ النظام الاقتصادي العالمي الجديد، أو الضربات التي سيوجهها له لزعزعته وتفكيكه؛ أما التكتل المقصود فإنه سيحتاج بالإضافة إلى الديناميكية العالية والفاعلية في التطبيق والتنسيق إلى نوع من الاستقلالية النقدية والمالية والشرعية التي تجعل ارتباطه بالاقتصاد العالمي في حدود السيطرة الذاتية، وتجعل تأثره بمتغيرات وتذبذبات بورصاته وأسواقه النقدية والسلعية ونظامه المصرفي محدودا إلى أبعد مدى ممكن، أما اعتماديته الأساسية على النمو فتكون على التحكم الذكي في كمية الإنتاج من الثروات الطبيعية والتحكم في أسعار سوقها العالمية، وارتفاع الإنتاجية الزراعية والصناعية والخدمية، ووجود سوق ضخمة قادرة على تصريف الإنتاج، وبناء تحالفات استراتيجية مع التكتلات المشابهة.

اللصوصية الحاسوبية

قبل عدة أيام تناقلت وسائل الإعلام خبرا عن شركة "نت ويتنس" تقول فيه أن أكثر من خمسة وسبعين ألف شركة ومؤسسة ودائرة حكومية حول العالم اختُرقت خلال الثمانية عشر شهرا الماضية، في أضخم شبكة يجري اختراقها، وكان نصيب الشركات والمؤسسات المصرية سبعة آلاف اختراق، وأربعة آلاف وخمسمائة منها من نصيب الشركات والمؤسسات السعودية، وألف وخمسمائة منها من نصيب الشركات والمؤسسات الكويتية، وألفين وخمسمائة منها من نصيب الشركات والمؤسسات الأوروبية، وجاءت أمريكا في المرتبة الثانية على قائمة أعلى الاختراقات، أما الدولة الوحيدة التي نجت من هذه اللصوصية والقرصنة الإلكترونية فكانت بريطانيا.

هذه الاختراقات التي تحدث عنها الخبر هي مثال على نوعية وطبيعة الهجمات المرتدة التي يشنها الاقتصاد العالمي على الاقتصادات الضعيفة، وهي تطبيق عملي وترجمة حرفية لهذه الهجمات على ساحة لعبة الاقتصاد العالمي، وهي أيضا نتائج وثمار جديدة لمآرب قديمة بدأ إرساؤها على أرض الواقع بينما كانت الألفية الثانية تلفظ أنفاسها مع إطلالة الألفية الثالثة، في عملية تحفيز مريبة استثمرت تغيّرا زمنيا طبيعيا لا علاقة له بعقول البشر ولا بأفكارهم ولا بقناعاتهم ولا بميولهم، واستهدفت الدول المتخلفة علميا وتقنيا واقتصاديا بشكل رئيس، وبأسلوب الشحن المعنوي أو النفخ الكاذب أوهمتها بالفرصة التاريخية النادرة للتفوق على الدول المتقدمة من خلال تقنية المعلومات، دون أن تنتبه تلك الدول إلى أن عنصر المخادعة والتمويه كان حاضرا دائما، وأن الظلال الكبيرة للأشياء لا تعني أن أصول أجسامها أصبحت كبيرة، بل لأن التلاعب بالإضاءة هو الذي صنع تلك الخدعة الذهنية والبصرية؛ ولكن الدول المتخلفة لم تضيع وقتها في التفكير، بل هرعت لاقتناص هذه الفرصة التاريخية التي قد لا تشهد لها البشرية مثيلا، فكان أن أنفقت في سنوات قلائل مليارات الدولارات على الاستشارات التقنية والحاسوبية وبناء الشبكات المعلوماتية (الإنترانت) ومحاضن قواعد البيانات (البورتالز) وشراء الحواسيب والأجهزة الإلكترونية وتصميم التطبيقات الإلكترونية واقتنائها، وحشد الجيوش من محللي النظم والمبرمجين، وظهرت إلى النور مئات المشروعات والمنتجات ذات العلاقة تحت مسميات لامعة وبراقة من قبيل التجارة الإلكترونية والخدمات الإلكترونية والحكومة الإلكترونية والمصارف الإلكترونية؛ وبينما آلت تلكم المليارات إلى خزائن الاقتصادات القوية وإلى تحريك عجلتها، لم تحقق الاقتصادات المتخلفة من التقدم أو السبق الموهوم إلا بضع إجراءات لتجديد رخص القيادة واستخراج جوازات السفر، مما لا يُسمن عجلة الاقتصاد المحلي ولا يغنيه من جوع؛ وها هي تارة أخرى، تدعي الاقتصادات المتقدمة اليوم سعيها نحو تطبيق النقود الإلكترونية كبديل للنقود الورقية بحلول العقد الرابع من هذه الألفية، لوثوقها من انطلاء خدعتها الجديدة هذه على الاقتصادات الضعيفة التي ستندفع كالمتهور إلى تقليدها واقتفاء أثرها في استخدام النقود الإلكترونية، وأيضا بلا تبصّر ولا تفكير، كي تكون سرقتها أيضا أكثر يسرا وأقل كلفة ومخاطرة.

وهكذا تكون الاقتصادات المتقدمة قد نجحت في استثمار وقوع الاقتصادات الضعيفة في مصيدة الإلكترون الساحر وبين خيوط شبكته العنكبوتية (الإنترنت) التي تتحكم كبيرة كهنة الاقتصاد العالمي أمريكا في إدارتها واستغلالها، أولا، بالتجسس على قواعد المعلومات والبيانات الاستراتيجية والحيوية للدول ومراقبة تطوراتها بطريقة تجعلها أكثر حداثة، وأكثر دقة، وأقل كلفة مما لو جُمعت من مصادرها ثم أعيد إدخالها بالوسائل الاعتيادية التقليدية لجمع البيانات ومعالجتها، توطئة لاستخدام هذه البيانات في الأغراض الأمنية والاقتصادية والدراسات البحثية، وكثيرا ما تلجأ الاقتصادات المتقدمة بعد "شفط" المعلومات والبيانات المطلوبة وتخزينها في مستودعات خاصة، إلى تدمير القاعدة الأساسية بواسطة الفيروسات الإلكترونية لكي تبدأ الدول المغلوبة على أمرها بالبدء من نقطة الصفر من جديد؛ وثانيا، ستضمن الاقتصادات المتقدمة سهولة سرقة واختلاس أموال الدول الفقيرة أو الدول المتخلفة بعدما تكفلت تلك الاقتصادات الغبية بكامل تكلفة السطو عليها وجعلت أعباءها أيسر من ذي قبل، من خلال القرصنة على حسابات المصارف وإجراء التحويلات النقدية، والسرقة بواسطة بطاقات الائتمان، ونشر المقامرة الإلكترونية الدولية بواسطة لعبة الرسائل النصية القصيرة للإجابة على الألغاز السخيفة أو الترشيح للمسابقات الرياضية والثقافية، وأيضا بسرقة الأرصدة النقدية للبطاقات الهاتفية، وغيرها من الألاعيب والخدع الإلكترونية التي تدعي الدول المتقدمة محاربتها، بينما شركاتها هي التي تستغلها من وراء الستار لنهب أموال الفقراء والخصوم الضعفاء الذين تجرأوا على دخول منطقة الفريق القوي لإحراز هدف والانسحاب إلى الوراء، دون أن يدركوا أن هذا الفريق العنيف لا يعرف الرحمة، ولا يؤمن بقيم التعاون والتعايش ولا بمبادئها.

ومع ذلك فإن هذه السلوكيات والممارسات الماكرة لاختراق الشبكات المعلوماتية تترك بصمات وأدلة اتهام دامغة على جهة بعينها تتخفى وراء ارتكاب الجريمة بالانتشار الدولي، وقد لا يكون من المبالغة أو الشطط الإشارة بأصابع الاتهام إلى الماسونية والصهيونية العالمية صاحبة هذا الانتشار الكاسح، ولأن الأندية الماسونية كأندية الروتاري وغيرها كانت دائما ما تغدق اهتمامها غير العادي والمثير للريبة على استخدامات الحاسوب، وكانت دائما ما تشجع الشركات والدوائر الحكومية في المجتمعات التي تخترقها على توسيع نطاق تلك الاستخدامات من خلال أعضائها الفاعلين والمتنفذين، ولأن الصهيونية العالمية اليوم هي أكبر المستفيدين من مخرجات هذه المنظومة ومحتوياتها، فربما يكون هذا هو التفسير الوحيد والمقبول لعدم تعرض الشركات في معقل الماسونية، بريطانيا، لأي اختراق مقرصن.

بهذه الصورة العملية وبهذه المعايشة لواقع الحياة اليومية يتأكد على الاقتصادات المغلوب على أمرها الانسحاب إلى منطقة محليّتها، والتمركز خلف خطوطها الدفاعية قبل وقوع المزيد من الخسائر والأضرار، بالاحتماء وراء شبكة معلوماتية خاصة، ولو أن تحذو حذو الكثير من الدول المتقدمة على الأقل، من التي لم تنخدع بغرور التوسع في تقديم الخدمات الحكومية والتجارية من خلال الشبكة العنكبوتية، بل لجأت إلى تقنين استخداماتها على الشبكة للأغراض غير الاستراتيجية وغير الحيوية، لأنها تدرك تمام الإدراك، أن الأسماك الكبيرة لا تتردد في التهام حتى الأسماك الكبيرة، وأن الكبار في مباريات كرة القدم، كثيرا ما يُهزَمون من الكبار.

 
 
 نسخة للطباعة أرسل لصديق     عدد القراء 147


هل ترغب في التعليق على الموضوع؟
الاسم:  
عنوان التعليق:  
المدينة
كود التحقيق:
Code Image - Please contact webmaster if you have problems seeing this image code Load New Code
* من فضلك أدخل الحروف المكتوبة على الصورة كما تراها, إذا لم تتمكن من قراءة الحروف يمكنك الضغط على الرابط المجاور لها لإظهار مجموعة اخرى من الحروف
نص التعليق:  

 

 
Copyright @ 2006 Darussalam.ae