تقديم
الكلمات التالية كتبت في سبتمبر عام 2006 عندما اساء بابا الفاتيكان للأسلام ورسوله واعتقد البعض ان الأساءة كانت غير مقصودة وان البابا لايضمر سوءا للمسلمين وها نحن نعيد طرح هذه المقالة للقراء بمناسبة زيارة البابا لمنطقة الشرق الأوسط والتي بدأها بتصريحه في الأردن بأن هذه الزيارة هي تأكيد للعلاقة الوثيقة التي تربط كنيسته باليهود ..نعم هكذا ونترك القاريء ان يحكم بنفسه على ما قلناه سابقا دفاعا عن ديننا وعن رسولنا عليه أفضل الصلاة والتسليم .
المقالة
انها والله هجمة مخططة على هذا الدين واهله تأتي في سياق تداعي قوى الكفر والنفاق على هذه الأمة لأنها بدأت تصحو . فمن سلمان رشدي صاحب كتاب آيات شيطانية واستقبال الرئيس كلينتون له في البيت الأبيض الى صاحب الرسومات الدانماركية الى مدعية المعرفة من بنغلادش الى لاجئة سياسية من افريقيا الى حديث بوش عن الأسلام الفاشيستي ثم أخيرا الى بندكت السادس عشر بابا الفاتيكان ولاندري ما هو القادم كل ذلك لوضع هذه الأمة في موقع الدفاع والتنازل والمساومة على اساسيات دينها لأن هؤلاء يعلمون انه ما ان تتمسك هذه الأمة بدينها الا واحدثت تغييرا في موازين القوى مع غيرها لتتطور بعد تخلف ولتتوحد بعد فرقة ولتقوى بعد ضعف ولتتحرر ارضها بعد استعمار وتبعية . ولقد اخبرنا الله سبحانه عن غايتهم وغاية من يدور في دائرتهم ويتبعهم من المنافقين بقوله تعالى " يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله الا ان يتم نوره ولو كره الكافرون"[1] واكد لنا سبحانه بأن الحق سيظهر في قوله " هو الذي ارسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون"[2] فالتصريحات التي صدرت عن بندكت السادس عشر بابا الفاتيكان في النصف من شهر سبتمبر 2006 حول الأسلام ورسوله صلى الله عليه وسلم تؤكد ان البابا اما ان يكون جاهلا بالأسلام ، وهذا ما نستبعده على رجل مثله ، او انه مفتريا ومتجنيا وهذا ما نرجحه ولقد راينا ان نفند بشيء من الأختصار رأيه الأخير حول عقلانية الأسلام ورسوله صلى الله عليه وسلم حتى لاتنخدع بكلامه كثير من الأجيال المعاصرة سواء من المسلمين أو غيرهم خاصة وانه كلام ينم عن حقد دفين وخوف شديد من الأنتشار الذي تحققه هذه الرسالة الخاتمة في كل يوم وفي كل رقعة ارض . ولنبدأ بأصالة الدين الذي يتهمه البابا باللاعقلانية والعنف .
ان الشواهد على ان القرآن هو وحده من بين الكتب السماوية الذي بقي من غير تزوير وتحريف كثيرة ومن اهمها الدراسة التي اجراها العالم الفرنسي المعروف موريس بوكاي والتي قارن فيها بين القرآن والتوارة والأنجيل من جانب وبين الأكتشافات والحقائق العلمية من جانب آخر والتي توصل فيها بكل وضوح الى ان القرآن هو الكتاب السماوي الوحيد الذي لايتعارض مع حقيقة علمية واحدة الى يومنا هذا بينما هناك تضارب كثير بين التوراة والأنجيل وبين العلم [3]، مما يؤكد التحريف والتزييف الذي احدثه رجال الدين الغربيين على تعاليم المسيح لأغراض النفوذ والسلطة والمكاسب الدنيوية ولازالوا يتوارثون هذا الطمس للحقائق الى يومنا هذا ولازالوا يفترون على الله الكذب بأنكارهم ان الكتاب الذي ختمت به الرسالات السماوية وتم حفظه هو القرآن مصداقا لقول تعالى "انا نحن نزلنا الذكر وانا له لحافظون"[4] . بل ان الله سبحانه وتعالى يذكرهم بأن ما نزل على محمد صلى الله عليه وسلم هو مصدقا لما معهم ويحذرهم من اللعنة التي اصابت اليهود بكفرهم وتحريفهم لكلام الله وذلك بقوله تعالى "ياايها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقا لما معكم من قبل أن نطمس وجوها فنردها على ادبارها أو نلعنهم كما لعنا أصحاب السبت وكان أمر الله مفعولا"[5].
فالبابا وسلفه اذن يعرفون رسالة الأسلام ولكنهم يحاولون كتمانها كما قال سبحانه وتعالى "الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وان فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون "[6]. وفي آية أخرى يقول الحق سبحانه وتعالى على لسان عيسى ابن مريم عليه السلام " واذ قال عيسى ابن مريم يابني اسرائيل اني رسول الله اليكم مصدقا لما بين يدي من التوراة ومبشرا برسول من بعدي اسمه احمد فلما جاءهم بالبينات قالوا هذا سحر مبين " [7] . ولقد جاء في الأنجيل على لسان عيسى عليه السلام " يأتي من بعدي الفاراقليط" وهي كلمة يونانية معناها " الحمد" أي انها مشتقة من أحمد وقد كتموها في الترجمة العربية بكتابتها حرفيا كما هي بدل ان يترجموها الى الحمد وبما انه لم يأتي بعد المسيح الا محمد صلى الله عليه وسلم فان هذا تأكيد آخرعلى انه هو المقصود بهذه الكلمة . وفي عام 1945 نشرت صحيفة الأهرام خبرا قالت فيه " عثر في دير سانت كاترين بسيناء على نسخة قديمة من التوراة جاء فيها ذكر محمد صلى الله عليه وسلم "[8]. وقد حذرهم الله سبحانة وتعالى من مغبة هذا الكتمان في قوله" واذ اخذ الله ميثاق الذين اوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولاتكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنا قليلا فبئس ما يشترون " [9]. اذن المسألة ليست جهل وانما هي محاولة كتمان لمكاسب دنيوية ولم تكن الأولى ولن تكون الأخيرة . اما صاحب الرسالة محمد بن عبدالله عليه افضل الصلاة والسلام فان مايكل هارت ، مؤلف كتاب "المئة الأوائل" يقول عنه "ان اختياري محمدا ليكون الأول في قائمة أهم رجال التاريخ قد يدهش القراء ، ولكنه الرجل الوحيد في التاريخ كله الذي نجح أعلى نجاح على المستويين الديني والدنيوي "[10]. فهل يعقل ان رجلا نجح هذا النجاح وبشاهدة غير المسلمين يكون مروجا للعنف ولم يأتي بشيء جديد كما يدعي بابا الفاتيكان ؟ وهل يدرك هذا البابا اننا معشر المسلمين طلب منا ديننا ان نخص اهل الكتاب بأفضل اسلوب للحوار في قوله تعالى " ولاتجادلوا اهل الكتاب الا بالتي هي أحسن الا الذين ظلموا وقولوا آمنا بالذي أنزل الينا وأنزل اليكم والهنا والهكم واحد ونحن له مسلمون"[11] . نعم نحن نحاور اهل الكتاب بأدب الا الذين ظلموا وافتروا منهم على ديننا ونبينا كهذا البابا فهؤلاء نحن مطالبون بان نسخر منهم ونرد عليهم دفاعا عن كتابنا ورسولنا وهذا نوح عليه السلام يرد على قومه عندما سخروا منه ومن رسالته بقوله " ويصنع الفلك وكلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه قال ان تسخروا منا فانا نسخر منكم كما تسخرون"[12] ونشهد الله سبحانه وتعالى اننا لن نفرط في هذا الدين في مواجهة كافر او منافق مهما كانت محدودية امكانياتنا المادية امام هؤلاء لأننا نؤمن ان النصر هو من عند الله ومهما طال الزمن او قصر فاننا واثقون كل الثقة ان قوى الكفر والنفاق لن تصمد اما الحق اذا اعد اصحابه كل انواع القوة مصداقا لقوله تعالى " انا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهد."[13] وقوله "وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم امنا يعبدونني لايشركون بي شيئا .."[14] ونؤكد هنا ان البشرية لم ولن يسودها حكما اكثر رحمة وعدلا وعمران كالنظام الأسلامي الذي كان بمثابة بوتقة انصهرت فيها جميع الديانات والأعراق وانتجت حضارة مترامية الأطراف سامية في اهدافها ، مزدهرة في اقتصادها ومستقرة في سياستها وهذا ما يؤكد ه القاصي والداني . ثم بدأت هذه الأمة تبتعد شيئا فشيئا عن اصول دينها وعن ثوابتها الحضارية وتراجعت نتيجة لذلك مكانتها بين الأمم وبدأت سكاكين الأعداء من الداخل والخارج تنهال على هذا الجسم الذي غزته فيروسات الأستبداد والتجزئة والحروب والفقر وغيرها حتى اصبحت امة يزيد عددها على مليار وثلاثمائة مليون عاجزة اليوم عن توصيل الغذاء والكساء الى شعب عربي مسلم يتعرض للقتل والتهجير في فلسطين لأن اعداؤنا يريدون تركيعنا ولأن حكوماتنا تابعة لهم ومطيعة لأوامرهم وجاهلة بعواقب سياساتها ولأن مثقفينا أغلبهم متغربين او منتفعين أو ساكتين عن قول الحق ولأن شعوبنا وهي ملاذنا الأخير بعد الله تئن تحت الفقر والجهل والسلبية ولكن هذا لن يدوم وسيغير الله من حال الى حال وما ذلك على الله بعظيم .
هذا في ما يتعلق بكتاب المسلمين ورسولهم ، فماذا عن العقل ودوره عند المسلمين ؟ وماهو رصيدهم من الأرث الحضاري اي ثمرة التزامهم بهذا الدين عبر التاريخ ؟ وماذا كان دورهم في الحضارة التي يتمتع ببعض جوانبها بابا الفاتيكان اليوم ؟ ان افضل من يجيب على هذا التساؤل ليس بابا الفاتيكان الذي يقول رأيا خاطئا ثم يعود اليوم الثاني ليحمل من اساء اليهم مسؤولية عدم فهمه بالضبط كما ظلت ادارة بوش تدعي ان المشكلة هي ان العرب والمسلمين لايفهمون سياساتها ودوافعها ونحن نقول لكل من البابا وبوش اننا والله نعلم انكم صليبيون حاقدون على هذا الدين واهله وهذه بعض تصريحاتكم وسياساتكم القديمة والحديثة في ارضنا تؤكد ذلك وقرآننا يخبرنا بأن ما تخفيه صدوركم اعظم فلا تضيعوا أوقاتكم في تشخيص نفسياتنا وانشغلوا بمعالجة امراضكم وتصحيح سياساتكم . فنحن امة لها قيم تضبط خلافاتها مع الغير ولازلنا نرغب في الحوار المثمر لأننا طلاب آخرة وحملة رسالة خالدة ولسنا سفاكي دماء او متهافتون على الدنيا . ومن هنا فاننا سنشتشهد برأي ثلاثة مؤرخين غربيين مشهورين وهم ويل ديورانت ودافيد لانديس وروبرت بريفولت وهم ليسوا متعاطفين مع المسلمين بقدر ما هم حريصين على احترام مهنتهم كمؤرخين . فالرئيس الأمريكى السابق ريتشارد نيكسون يقول نقلا عن ديورانت في كتابه " عصر الأيمان" قوله انه عندما كانت اوروبا تغط في سبات عميق في القرون الوسطى كانت حضارة الأسلام في عصرها الذهبي حيث كانت لها مساهمات في كل العلوم كالعلوم الطبيعية والطب والفلسفة فابن سينا كان اعظم كاتبا في الطب والرازي كان اعظم طبيبا والبيروني اعظم عالم جغرافيا وابن الهيثم كان رائدا في البصريات وجابر ابن حيان اعظم كيميائي وابن رشد كان احد اعظم الفلاسفة وقد كان للعرب ، كما يقول ديورانت نقلا عن نيكسون ، دورا محوريا في تطوير منهج البحث العلمي . فعندما نقل روجر بيكون منهج البحث العلمي الى اوروبا ، كما يقول ديورانت ، كان قد تأثر في ذلك بمسلمي اسبانيا . ويختم ديورانت حديثه بالقول ان علماء النهضة الأوروبية قد وقفوا على اكتاف عمالقة الأسلام وهم يبنون حضارتهم المعاصرة.[15] هذا ما قاله ديورانت ، اما مؤرخ التاريخ الأقتصادي المعروف دايفيد لانديس فانه يقرر في كتابه المعنون " ثروة وفقر الأمم" ان الفترة ما بين 750 و1100 ميلادي قد شهدت تفوق العلوم والتقنية التي كانت عند المسلمين على تلك التي كانت عند الأوروبيين مؤكدا ان اوروبا قد حصلت على هذه العلوم من خلال اتصالها بالمسلمين في اسبابنيا ويضيف قائلا ان الأسلام كان استاذا لأوروبا خلال هذه الفترة.[16] . بل والأكثر من ذلك فان هذا المؤرخ يؤكد على أنه ، وانا استشهد هنا بكلماته حرفيا " عندما احتل الصليبيون القدس عام 1099 عاثوا فيها فسادا ، فدمروا واغتصبوا وقتلوا ، بينما عندما استعاد صلاح الدين القدس للمسلمين عام 1187 حافظ عليها ولم يدمر كما فعل الصليبون.[17] .واخير وليس بآخر نختم بما قاله الدكتور روبرت ريفولت صاحب كتاب " صناعة الأنسانية" والذي يقول فيه " ان جذور عصر التنوير والنهضة في اوروبا تعود الى التأثر بالحضارة العربية الأسلامية . فاسبانيا وليست ايطاليا كانت مهد ولادة اوروبا من جديد .فعندما كانت اوروبا تنحدر الى اسفل مستوى لها من الجهل والأنحطاط ، كانت مدن كبغداد والقاهرة وقرطبة وطليطلة تزدهر بالحضارة والمدنية ومنها بدأ الأشعاع الحضاري على اوروبا"[18]
هذه هي اصالة كتابنا وهذه هي مكانة نبينا وهذا هو ارثنا الحضاري ، فما هو رصيد كنيسة البابا الكاثوليكة عبر التاريخ ؟
ان هذه الكنيسة التي ينتمي لها هذا البابا هي آخر سلطة يحق لها الحديث عن العقل والمنطق والنهضة والسلام فهي لم يكن لها نصيب من اي منها . فهي قد بدأت بتلفيق كتب سمتها كتب مقدسة ( انجيل مرقص ، انجيل لوقا ، انجيل متا وانجيل يوحنا ) وهي في الواقع كتب تم جمعها من آلاف الروايات التي يصح بعضها ومحرفا اغلبها وهذا ما يؤكده تضاربها مع بعضها البعض بالأضافة الى تضاربها مع النظريات العلمية المؤكده كما ذكرنا سابقا ، بل والأكثر من ذلك احتواء بعضها على دعوة الى العنف الذي لايميز بين صغير وكبير ولابين ذكر ولاانثى كما هوموثق في العهد القديم. وهناك انجيل خامس اسمه " انجيل برنابا" منعت الكنيسة تداوله واحرقت النسخ التي وقعت في يدها منه وحكمت على من يقتنيه بالحرمان من الغفران كل ذلك لسبب بسيط وهو ان هذا الأنجيل يقرر ان عيسى عليه السلام هو بشر وليس ربا ولا الها وأنه أخبر عن بعثة محمد صلى الله عليه وسلم " [19]. انها محاولة الكتمان مرة أخرى .
ولكن مكتشفات العلم اثبتت حقيقة هذا التزييف لأن العلماء كجاليلو وغيره وجدوا ان اكتشافاتهم تتضارب مع ما تقوله الكنيسة وبالتالي فلم يكن امام المجتمعات الغربية الا خيارين هما اتباع الكنيسة بتعاليمها المحرفة أو الأستفادة من مكتشفات العلم وترك الكنيسة وتعاليمها في دائرة البابا واتباعه والتمسح بها مرة في الأسبوع لأن تعاليمها لم تعد تواكب التطور بل انها تتضارب معه وهذا ما حصل بالفعل. فقد قامت ثورة البروتستانت نتيجة لجمود الكنيسة الكاثوليكة واستبدادها وهرطقتها وتوزيعها لصكوك الغفران . ولم تكن هذه النتيجة الوحيدة لتخلف الكنيسة وتعاليمها ، بل ان كل التطورات الأخرى التي حصلت في الغرب كانت تقوم على ابعاد الدين عن الدنيا أو الفصل بين العلم والأيمان . فالشيوعية اطلقت على الدين افيون الشعوب بسبب ممارسات الكنيسة الكاثولوكية . والعلمانية التي قامت عليها الدول الغربية المعاصرة قامت على فصل الدين عن الدولة للتخلص من عبودية الأنسان للكنيسة وهكذا حرمت الحضارة الغربية من كل دين ، بل وان هذا السرطان انتشر الى بقية دول العالم خلال المئة سنة الأخيرة حتى تكونت قناعات لدى الكثيرين بأن الدين هو عقبة امام التقدم ، كل ذلك بسبب ما خلفته ممارسات الكنيسة في المجتمعات الغربية . ومما ساعد على توسع هذا الرأي وانتشارة هو ان المسلمين قد بدأوا في الأبتعاد عن دينهم ولم ينتبه احد الى انه على الرغم من ان دين الكنيسة الكاثوليكة كان عقبة في طريق التقدم ولايزال الا أن الأمة الأسلامية قد وصلت اوج حضارتها بتمسكها بدينها وعندما تركت دينها تخلفت كما يشهد واقعها اليوم . ولنختم ببعض المآسي التي عاشتها البشرية في ظل العلمانية التي تعتبر بذرة خبيثة بذرتها الكنيسة الكاثوليكية بتحريفها لتعاليم المسيح عليه السلام وعدم اعترافها بوجود رسالة خاتمة محفوظة في القرآن ؟
ان هذه العلمانية التي نشأت نتيجة لتضارب تعاليم الكنيسة مع المكتشفات العلمية انتجت انسانا تائه متبعا لنزواته واهوائه مدمرا لما يبنيه لأنه تحول من تبعية عمياء لكنيسة جامدة حرفت التعاليم وزورت الحقائق الى عبودية كاملة للعقل وابعاد تام للدين وقيمه وضوابطه التي ترشد مسار العقل كما حصل للحضارة الأسلامية في اوج انتشارها . فالأنسان الغربي الذي غزا الفضاء وأبدع التقنية بسبب المعارف التي اكتسبها باستخدام العقل وتنميته ، هو نفسه الإنسان الذي دمر العقل بالخمور والمخدرات والمسكرات وتحول من خلالها إلى سائقٍ يدهس الأبرياء في الطرقات بسبب سكره، أو قاتلٍ يرتكب جريمة بسبب إدمانه، أو زوج يسيء معاملة زوجته أو أبنائه بسبب فقدانه لوعيه، أو مدمنٍ يكلف الدولة مبالغ طائلة لعلاجه أو سجينٍ في قفصه يهدر موارد المجتمع وييتم أبناءه. كما وان هذه المجتمعات اللادينية تعاني اليوم من ارتفاع في نسبة الطلاق وزيادة في الأبناء غير الشرعيين وارتفاع نسب الأجهاض وتراجع الخصوبة حيث ان هذه المجتمعات لم تعد قادرة للتعويض عن معدلات الوفيات . اما الشذوذ بصوره المختلفة والزواج المثلي باشكاله وقتل كبار السن وانهيارات اكبر المؤسسات المالية بسبب عدم الأمانة وما شابهها من سلوكيات تؤكد فراغا قيميا تعاني منه هذه المجتمعات [20]. كل هذه الأمراض هي حصاد مر لغياب المنظومة القيمية والأخلاقية التي تحكم مسار هذه المجتمعات وهي منظومة لايمكن ان تأتي الا من الدين ولكن ليس من الدين المحرف او دين المتاجرة بل من الرسالة الخاتمة التي حملها العرب والمسلمون رحمة للعالمين الى ان تقوم الساعة.
وهل يحتاج بابا الفاتيكان ان نذكره بمآثر اجداده الفرنجة في شرقنا العربي الأسلامي والتي تمثلت في انهار الدماء وحرق الكتب وتدمير العمران وقد وثقنا بعضها سابقا ؟ اليست هذه هي البربرية بعينها وكيف يمكن مقارنة هذا السجل المخزي بما سطره اجدادنا العرب المسلمون من تاريخ ناصع في اسبانيا والذي ارسل شعاعه بعد ذلك الى بقية اوروبا لينهض اجدادهذا البابا من سباتهم ومن ظلاميتهم ؟ هل هكذا يرد الجميل يا بابا الفاتيكان؟
واخيرا نود ان نؤكد في هذا المقام ان هذه الهجمة على الأسلام لن تنتهي بل ان حدتها ستزداد لأن انهيار الشيوعية كان له اثر سلبي على قدرة المعسكر الغربي على تعبئة جبهته الداخلية وزيادة انفاقه العسكري وتحقيق اهدافه الأستعمارية نظرا لأن هذه كلها تتطلب عدوا خارجيا يمثل " الخطر المتوهم" الذي لابد من ايجاده حتى تستمر المجتمعات الغربية في تدوير عجلة تنميتها وهيمنتها على العالم ولاشك ان كثيرا من تصريحات السياسيين والعسكريين الغربيين تؤكد ان الأختيار وقع على الأسلام ليكون هذا الخصم الجديد . وان كنا لاندعوا الى المواجهة مع اي جهه الا اننا نود ان نؤكد على أن الأختلال الحالي في موازين القوى بين العرب والمسلمين من جانب وبين بقية دول العالم هو امر لابد من تصحيحه لآنه يغري الأعداء بالتداعي علينا وتحويل دولنا الى ارض معارك ويجعل ثرواتنا عرضة للنهب والتدمير ولايتيح لنا فرصة في النهوض ويحرمنا من الأمن والأستقرار ، كما وان اي جهود للسلام او الحوارات بين الأديان او اي نوع من انواع التواصل الأخرى لن تجدي نفعا ونحن بضعفنا الحالي. فلا بد اذن ان تبدا هذه الأمة بتصحيح اوضاعها الداخلية على كل صعيد وان تحذر كل صور التفتيت التي سيسعى الغرب لتغذيتها في السنوات القادمة ومنها الصراعات العرقية والخلافات الطائفية والدينية والفوارق الأقتصادية وغيرها من بذور الشقاق والخلاف . ونختم بتذكير اخواننا المسلمين في كل مكان بأن هذه دعوة الى الوعي والى تطبيق مباديء ديننا الحنيف على كل صعيد ومن ارقى صور هذا التطبيق ان نحرص على أن نحفظ حقوق المسيحين في عالمنا العربي وان لايؤخذوا بجريرة الفاتيكان او الفرنجة لأنهم جزء من مجتمعاتنا وحقوقهم كحقوقنا وهم اخواننا في بناء الحضارة الأسلامية في الماضي وفي المستقبل ان شاء الله وهذا موقف نابع من ديننا وهو كذلك موقف اجدادنا المسلمين خلال فترة الحروب مع الفرنجة ولاينبغي ان ننساه .
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
[1] القرآن الكريم ، سورة التوبة ، الآية 32 .
[2] القرآن الكريم ، سورة الصف ، الآية 9 .
[3] Bucaille, Maurice(1979) The Bible, the Quran, and Science. American Trust Publicatios.P.P:249-252.
[4] القرآن الكريم ، سورة الحجر ، الآية 9 .
[5] القرآن الكريم ، سورة النساء ، الآية 47 .
[6] القرآن الكريم ، سورة البقرة ، الآية 146 .
[7] القرآن الكريم ، سورة الصف ، الآية 6.
[8] محمد قطب ، ركائز الأيمان ، دار الشروق ، الطبعة الأولى . 2001 . ص.198 .
[9] القرآن الكريم ، سورة آل عمران ، الآية 187 .
[10] الدكتور مايكل هارت ، المئة الأوائل ، دار قتيبة ، ترجمة خالد اسعد عيسى واحمد غسان سبانوا . ص.21 .
[11] القرآن الكريم ، سورة العنكبوت ، الآية 46 .
[12] القرآن الكريم ، سورة هود ، الآية 38 .
[13] القرآن الكريم ، سورة غافر ، الآية 51 .
[14] القرآن الكريم ، سورة النور ، الآية 55 .
[15] Nixon , Richard(1992) Seize the Moment. Simon & Schuster. P.199.
[16] Landes, David ( 1999 ) The Wealth and Poverty of Nations. Norton. New York. P.54
[17] Ibid, P.64.
[18] Briffault, Robert(1980) The Making of Humanity. Islamic Book Foundation. Lahore. Pakista. P.P:188-189.
[19] محمد قطب ، ركائز الأيمان ، دار الشروق ، الطبعة الأولى ، 2001 .ص. 196 .
[20] David Callahan(2004) , The Cheating Culture. New York: Orlando: Hardcourt Brace. P.241.