القوي وكامل القوة (الله)
أ. د. يوسف خليفة اليوسف

                                

 The Mighty & The Al-Mighty

القوي وكامل القوة (الله)

Madeleine Albright

هذا الكتاب هو للسيدة مادلين أولبريت وهي وزيرة خارجية الولايات المتحدة خلال الفترة ما بين 1997 و2001 وقد شغلت قبل ذلك منصب ممثل الولايات المتحدة في الأمم المتحدة كما وأنها كانت عضو في مجلس الأمن القومي لرئيس الولايات المتحدة الأمريكية ولا شك أن قراءة كتابها هذا يطلع القاريء على كثير من أغوار سياسة الولايات المتحدة في العالم عامة وفي منطقة الشرق الأوسط خاصة ولننتقل إلى موضوعات هذا الكتاب .

الله ، الحرية ، والوطن
 
   تبدأ المؤلفة بنبذة عن حياتها بالقول بأنها تنتمي إلى عائله تشكسلوفاكية هاجرت إلى الولايات المتحدة وكانت من عائلة يهودية إلا أنها تربت في بيئة مسيحية كاثوليكية ولكنها تقول إنه عندما خرج هانتيغتون بنظرية صراع الحضارات عام 1993 مع نهاية الحرب الباردة حاولت الإدارة التي تنتمي إليها أن لا تتبنى كذا فهم في سياساتها الخارجية وتضيف قائلة بأنه مع إقتراب الألفية الثالثة لم تكن تفهم إستمرار الصراع الديني بين الكاثوليك والبروتيستانت في أيرلندا وبين المسلمين والهندوس في جنوب آسيا ولم تعتقد أنها تحمل في طياتها صراعات قادمة ولكن بعد أحداث سبتمر أدركت أنها هي التي تعيش في عالم آخر وينبغي عليها تصحيح فهمها لهذا العالم . فالتسعينيات ، كما تقول، إتصفت بالعولمة والتطور التقني وثورة المعلومات التي غيرت حياتنا بصور جذرية ولكن التسعينيات كذلك شهدت قوة أخرى ألا وهي نمو الحركات الدينية في كل مكان وبداية تآكل الهوية القومية . وتضيف قائلة إنها بعد خروجها من الإدارة عام 2001 عادت إلى مهنتها الأولى أي التدريس في جامعة جورجتاون وكانت كما كما تذكر تقول لطلبتها إن هدف السياسة الخارجية هو إقناع الدول الأخرى بعمل ما نرغب فيه ولتحقيق ذلك لدى الرئيس أو وزير الخارجية مجموعة من الوسائل من القوة العسكرية إلى المفاوضات الدبلوماسية المكوكية والمهارة تكمن في إيجاد المزيج المناسب بين هاتين الوسيلتين . وتختم حديثها في هذه المقدمة بتخوفها من التطرف الإسلامي وسوء إستخدام الإسلام من قبل الجماعات الإسلامية وإحتمالات حصول هذه الجماعات على أسلحة دمار وتؤكد أن كثير من القيادات العربية التي إلتقت بها تشاطرها هذا التخوف .؟

تنتقل المؤلفة بعد ذلك للحديث عن نشأة الولايات المتحدة التي كانت في بداياتها مصطبغة بالدين ولكنها مع الوقت أوجدت فصلا واضحا بين الدولة والكنيسة وتقوم بتتبع تنوع مواقف القيادات الأمريكية السابقة كميدسون وأدامس وجيفرسون وفرانكلين وواشنطون حول العلاقة بين الدين والسياسة وكيف أن هؤلاء المؤسسين للإتحاد الأمريكي كانوا يعتقدون بأنهم أشبه ببني إسرائيل الذين عبروا البحر الأحمر مع موسى وبالتالي فإن هؤلاء القادة كانوا يرون في دولتهم أفضل نموذج للتعبير عن حرية الإنسان وتتحدث كذلك عن نزعات التوسع لدى القيادات السابقة خاصة في الفلبين وغيرها وكيف أن الساسة الأمريكان إختلفوا بين واقعيين لايمانعون التوسع من أجل مصالح الولايات المتحدة وبين مثاليين يعتقدون أن دور الولايات المتحدة هو في أن تبقى نموذج للحرية ونشر حقوق الإنسان ومحاربة الإستبداد ولا يفوتها ان تؤكد على تميز أميركا وكونها نموذجا للحرية ولكنها لا تتفق كما تقول مع هؤلاء الذين يعتقدون أن على الولايات المتحدة أن تتبنى نشر الحرية في العالم كأنها مهمة مقدسة أوكلت لهذه الدولة .

وتتحدث المؤلفة عن تجربة الولايات المتحدة في فيتنام وفي إيران الشاه . أما تجربة فيتنام فإنها تعتبرها كارثة ليس بسبب الحرب على الشيوعية التي تؤيدها وإنما إعتراضها هو على الكيفية التي تمت بها إدارة هذه الحرب ، فهي تذكر أنها عندما إنضمت إلى فريق بريزنسكي في إدارة كارتر كان هناك تياران ، الأول يؤيد مواجهة الشيوعية بكل الوسائل بما في ذلك المواجهة العسكرية ، بينما الرأي الآخر يعتقد أن أفضل طريق هو أن تكون الولايات المتحدة نموذجا يحتذى به وذلك من خلال الدفاع عن حقوق الإنسان ونشر الديمقراطية في كل مكان ، وفي رأيها إن إدارة كارتر مزجت بين التيارين . وقد أكد كارتر كثيرا على ضرورة الحفاظ على سياسة خارجية منضبطة بالقيم الأمريكية لذلك فرضت هذه الإدارة كثيرا من القيود على المساعدات العسكرية المقدمة للدول الحليفه ذات الأنظمة الإستبدادية غير أن هذا الأمر تم إستثناء نظام الشاه في إيران منه بسبب موقعها ونفطها أي أن المصالح رجحت على المباديء كما تقول المؤلفة . وتضيف أنه عندما بدأ الخميني في مواجهة وتوزيع أشرطته إلى أتباعه كانت الآراء في الإدارة الأمريكية متضاربه حول ما ينبغي عمله . فالخارجية كانت ترغب في خروج الشاه وإستبداله بحكومة إئتلافية من المعتدلين وبريزنيسكي كان يرى أن يستخدم الشاه القوة العسكرية لإخماد الثورة ، أما ترنر رئيس المخابرات الأمريكية فلم يكن لديه رأي يقدمه لكارتر لأن الشاه ، كما يقول ترنر، لم يتركه أن يقابل واحد من المعارضة ليفهم الوضع . وتؤكد المؤلفه أن إدارة كارتر فوجئت بالثورة الإيرانية ولم تكن تتوقع أن تكون على هذا النطاق الذي شبهته بأحداث الثورة الروسية والثورة الفرنسية . ومما فاقم من أثر سقوط الشاه على الإستراتيجية الأمريكية في المنطقة هو قيام نظام شيوعي في أفغانستان وما تبعه من إحتلال السوفيات لأفغانستان مما دفع الولايات المتحدة إلى الوقوف مع حركات الجهاد الإسلامي في أفغانستان حتى أن بريسنيسكي عندما زار الحدود الباكستانية – الأفغانية في تلك الفترة قال للمجاهدين " إن الله معكم " .

وتشير ألبريت إلى أن الحكومة الأمريكية خرجت بدروس واضحة من تجربتي فيتنام وإيران وهي أن الأمريكان لديهم مبالغة في تقييم مكانتهم لدى الآخرين الذين لايبدوا أنهم على وئام مع الأمريكان وتذكر على ذلك مثال تسمية الخميني لأمريكا " بالشيطان الأكبر" أما الدرس الثاني فهو أن الدين مهم وأن الولايات المتحدة لم تعطي القيم الإسلامية المكانة التي تحضى بها عند المسلمين مما جعل الإيرانيون يصبون غضبهم على الشاه وأمريكا معا ، أما الدرس الثالث فهو أن النيات الطيبة قد تضيع صاحبها فالولايات المتحدة بدأت بمساعدة الفيتناميين ضد الشيوعية ولكن بعد أن إشتد وطيس الحرب إنسحبت وأدى إنسحابها إلى كثير من الكوارث التي نتجت عن ممارسات النظام الشيوعي وكذل الحال في إيران ، فعندما سقط شاه إيران جاء بعده نظاما لايقل إستبدادا عنه كما تقول المؤلفة ومرة أخرى تتكرر الحوارات حول الموقف الأمريكي فالبعض كان يرى تقديم مباديء الديمقراطية والتخلي عن الشاه والبعض الآخر كان يرى تقديم المصالح والوقوف مع الشاه حتى بالمواجهة العسكرية وهذا ما يعرف في علم السياسة بمدرستي المثالية والواقعية .

وتطرح المؤلفة من واقع تجربتها في السياسة الخارجية كيف أن صانع السياسة الخارجية تتنازعه قوتان ، الأولى هي الواقعية التي تحتم عليه أن يتخذ القرارات التي تحفظ أمن ومصالح بلده حتى لو كان فيها ضررا بالدول الأخرى ، أما القوة الثانية فهي المثالية التي يضحي فيها صانع القرار ببعض مكاسب بلده من أجل نشر مبادئه ومساعدة الآخرين والتضحية من أجلهم وتستشهد بأمثلة كثيرة على بعد أو قرب السياسة الأمريكية عبر السنوات من هذين القطبين للسياسة وتعرج على متى يحق للدولة أن تستخدم القوة المسلحه بحسب القوانين الدولية ويبدو أنها ممن يحبذ السياسة الخارجية البراغماتية التي تصطبغ ببعض القيم .

وتتحدث المؤلفة عن الدين والدبلوماسية مؤكدة أن الدين يمكن أن يكون عاملا إيجابيا في تطور الشعوب وتذكر على ذلك مثال بابا الفاتيكان التي كانت زياراته لبولندا سببا في توعية شعوب شرق آوروبا وثورتهم اللاحقة على حكوماتهم الشيوعية وسقوط حائط برلين وتذكر أمثلة أخرى على سوء إستخدام الدين خاصة في بعض دول آسيا وإفريقيا وتشير إلى التحولات التي حصلت في تفكير الغرب حول دور الدين في المجتمعات المعاصرة خاصة بعد أحداث 11 سبتمبر وكيف أن تعليم الدبلوماسيين دور الدين في حياة الشعوب أصبح شرط أساسي بل وتم إدخال كثير من المواد الدينية في دورات إعداد الدبلوماسيين الأمريكان خلال السنوات الماضية أي أنها أصبحت ممن يؤيد الدبلوماسية التي أحد أبعادها هو الدين .

وتمر على تجربتها مع اليمين المسيحي عندما كانت في الإدارة الأمريكية وكيف أن هذا التيار تزايد نفوذه في السنوات الأخيرة وذلك بسبب إعتقاد أعضاؤه بأن المجتمع الأمريكي أصبح مهددا في قيمه وإستقراره بمظاهر الليبرالية المعاصرة من تعليم الجنس في المدارس ومنع الصلوات في هذه المدارس والإقرار بحقوق الشواذ والسعي لمساواة المرأة مع الرجل في كل مجال وبرامج هوليوود التي تطغى عليها الجرائم والتحلل الخلقي . وتؤكد كذلك على إصرار اليمين المسيحي على عدم إنشغال الولايات المتحدة بالمنظمات الدولية وعدم المساهمة فيها الأمر الذي جعل مساعدات الولايات المتحدة للدول الفقيرة لا تزيد على 0,16 في المائة من ناتجها المحلي بينما تقدم دولا أخرى ما يزيد على نسبة 0,7 وهي النسبة التي تم الإتفاق على تقدميها من قبل الدول الصناعية . ولكن في السنوات الأخيرة يبدوا كما تقول المؤلفة أن اليمين المسيحي أصبح أكثر ميلا إلى القبول بتقديم المساعدات للعالم الخارجي خاصة في ما يتعلق بنشر القيم الدينية وحرية العبادة .

وتختم هذا الجزء الأول بالحديث عن ضرورة التقارب بين الأحزاب السياسية في الولايات المتحدة والتعاون مع بقية دول العالم على تحقيق ثلاث أهداف رئيسية وهي تشجيع الحرية الدينية وقد بذلت كما تقول جهدا كبير عندما كانت في الإدارة من أجل السماح بالحرية الدينية خاصة للمسيحيين والبوذيين في الصين ، وثانيا محاربة الفقر وتقديم المساعدات وهنا كذلك تذكر سعي إدارة كلنتون من أجل الغاء ديون الدول الفقيرة وقد قام صندوق النقد الدولي في عام 2005 بإلغاء ديون أفقر 18 دولة نامية ، وثالثا إنشاء قوة متعددة الجنسيات بإشراف الأمم المتحدة لمنع جرائم التطهير العرقي والقتل الجماعي تجنبا لما حصل في رواندا أو الكونغو وتذكر دارفورد طبعا ولكنها تجاهلت الجرائم التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني منذ أكثر من 50 سنة وقد يكون ذلك بسبب إنتمائها اليهودي أو لأنها رجحت مصالح الولايات المتحدة على مبادئها في هذه الحالة كذلك .

الصليب ، الهلال ، والنجمة

تعود ألبريت إلى تاريخ الصراع بين الإسلام والمسيحية وتشير إلى معركة اليرموك عام 636 ميلادي قائلة بأن هذه المعركة نتج عنها قتل حوالي 70000 مسيحي وسيطرة المسلمين على القدس وفي عام 1099 إستعاد كما تقول الصليبيون هذ المدينة المقدسة وتم قتل حوالي 70000 مسلم ذلك بالإضافة إلى قتل كل يهودي تمكن المسيحون من القبض عليه وفي عام 1187 سقطت القدس مرة ثانية تحت سيطرة المسلمين بقيادة صلاح الدين الأيوبي . هذا الصراع يكرر نفسه كما تقول المؤلفه في بداية القرن الواحد والعشرين في إفريقيا وآسيا وحتى في الغرب حيث الجاليات الإسلامية المتنامية . وتتحدث عن جهود إدارة كلنتون في التقارب مع المسلمين ومحاولة التعريف بالإسلام خاصة بين صناع القرار وتعرج على دور الإسلام الرائد في بناء حضارة تركت بصماتها على كل الحضارات اللاحقة ولايفوتها أن تذكر الإنقسامات الطائفية وتطورها التاريخي والفوارق بين التيارات الليبرالية والتقليدية في الدول الإسلامية ولاتخفي تحيزها للتيار الأول . كذلك تؤكد المؤلفة على أن التصور الأمريكي للإسلام هو تصور نقل من أوروبا وتجاربها في العالم الإسلامي وتضيف أن جميع الكتب السماوية تحتوي على بعض التعاليم التي تحث على إستخدام العنف ولكن هذه التعاليم عادة ما تفهم خارج سياقها وهنا يأتي سوء إستخدام الدين .

بعد ذلك تتحدث عن الأراضي المقدسة وعن التصارع على ملكيتها عبر التاريخ وتبدأ بالتأكيد على أن وعد بلفور الذي أصدرته بريطانيا عام 1917 ووعدت بموجبه اليهود بوطن قومي في فلسطين من غير إيقاع الظلم بالأقليات الموجودة ولكنها تتساءل كيف يمكن أن يتحقق هذا العدل في ظل الوعد المذكور . وتؤكد أن هذا الوعد جاء ثمرة لجهود صهيونية ومسيحية . وهنا تشير إلى أنه عندما إلتقى الرئيس الأمريكي روزفلت مع ابن سعود وطلب منه مساعدته بقبول قيام دولة إسرائيل كان رد ابن سعود هو الرفض قائلا مالذي فعله العرب بيهود الغرب حتى يعاقبوا بأخذ أرضهم وإعطائها لغيرهم . ولكن إسرائيل أعلنت عام 1947 وجاءت حرب حزيران بسيطرة إسرائيل على أراضي إضافية وكيف أن بيغن رأى في هذا الإنتصار مؤشر على وقوف الله مع إسرائيل وضد أعدائها وتعرج في سياق الحديث على تفتت الجالية المسيحية في الأراضي الفلسطينية وكثرة خلافاتهم . وتتحدث عن مفاوضات السلام خاصة في ظل إدارة كلينتون عندما رفض ياسر عرفات القبول بحوالي 97 من الضفة الغربية وقطاع غزة كأساس للتسوية وفي هذا الصدد تؤكد التشابه بين موقف الفريقين وموقف صلاح الدين وريتشارد قلب الأسد عندما أكد كل طرف تمسكه بالقدس كأرض مقدسة لايمكن التفريط فيها وبالتالي إستمرت النازاعات ولايفوتها أن تصف باراك بالمرونة وعرفات بالتشدد لأنه لم يقبل التفريط بحقوق الشعب الفلسطيني بالضبط كما أراد روزفلت من ابن سعود أن يؤيد حل مشكلة اليهود على حساب الشعب الفسطيني . وتضيف قائلة بأن إمكانية الحل في المستقبل تعتمد على ما إذا كان القائد الفلسطيني القادم سيقبل ما رفضه عرفات وترد على ذلك بالإستشهاد بأحد الآيات القرآنية التي تحث المسلمين على مقاتلة من يقاتلهم معتبرة أن هذه الآية قد تعقد مسألة القبول بالمعروض على الفلسطينيين . وهنا تؤكد تمسكها وبقية المجتمع الأمريكي بدولة إسرائيل قائلة إنها و أمثالها لايطلبون من العرب كثيرا عندما يطلبون منهم الإعتراف بوجود إسرائيل خاصة وأن هؤلاء العرب لديهم أراضي مقدسة أخرى ولديهم أراضي واسعة نعم هكذا تطلب منا ألبريت أن نتخلى عن فلسطين ونهجر إخواننا الفلسطينيين إلى بقية الدول العربية حتى يأتي مرتزقة العالم أو يهود الشتات ليحلوا محلهم هكذا هي العدالة في رأي البريت وهذا بالضبط هو أسلوب إنشاء أمريكا فقد تم إستئصال السكان الأصليين وهم الهنود الحمر ليحتلوا أرضهم مرتزقة أوروبا وأولبرايت تريد من العرب أن يكونوا كالهنود الحمر ونحن بدورنا نؤكد لهذه السيدة أننا لسنا كالهنود الحمر فحقوقنا لا تضيع وسنسترد كامل التراب الفسطيني حتى ولو بعد ألف عام فعلى ألبريت أن تعتبر هذا وعد ولن تنفعها قوتها الحالية فقوة الحق الفلسطيني هي في إعتقادنا أقوى من منطق القوة الذي تقوم عليه إسرائيل وكما قام عليه نظام جنوب إفريقيا العنصري البائد وكما قامت عليه جمهورية الولايات المتحدة التي تتعرض لتحولات ديموغرافية هامة بسبب هجرة ملايين من أمريكا اللاتينية والتي قد تساعد على تقليص هيمنة السكان ذوي الأصول الأنجلوسكسونية على مقدرات تلك الدولة . ولكن ألبريت لا تتوقف عند المبررات العاطفية والتاريخية لقيام دولة إسرائيل بل إنها تبرر إرتباطها بالولايات المتحدة بسبب النظام الديمقراطي الذي يحكم دولة إسرائيل والأكثر من ذلك ترى المؤلفة أن هناك رابطة دينية بين الدولتين حيث أن شريحة كبيرة من الأمريكان تؤمن بضروة قيام دولة إسرائيل وإعادة بناء هيكل سليمان كمقدمة لعودة المسيح وحرب الخير والشر . ولا تخفي المؤلفه تأييدها لعباس كبديل مقبول عند الولايات المتحدة لأنه، كما تقول ، يستطيع التفاهم معهم بعكس حماس التي ترى فيها منظمة متطرفه لايمكن القبول بها أو التعامل معها . وتشير إلى أن إنسحاب شارون من غزة كان بسبب التكاليف المرتفعة للبقاء فيها وتمهيد لفصل تام بين المناطق التي ستمثل إسرائيل والمناطق المتبيقة للفلطسينين .

وتؤكد المؤلفة على إختلافها مع إدارة بوش بترك الحرب مع القاعدة في أفغانستان و التوجه إلى العراق حيث أنها تعتقد أن الحرب على العراق لم تكن مبرراتها قوية وشتتت جهود الولايات المتحدة وأضعفت التأيد الدولي الذي تحقق لها بعد أحداث سبتمبر كما وأن الصبغة الدينية التي أضفاها الرئيس بوش على هذه الحرب جعلت الهوة بين الأمريكان والمسلمين تتسع كما وأن الجيش الأمريكي لم تكن لديه رؤية واضحة بخصوص فترة ما بعد الإحتلال ولم يتعلموا من تجارب البريطانيين في هذه المنطقة ولذلك فإنها تعتقد أن غزو العراق قد يكون أكبر فشل في تاريخ السياسة الخارجية الأمريكية . وتتحدث عن القوى العراقية بما في ذلك السيستاني الذي كان موقفه إيجابيا ولم يحرض على مقاومة القوات الأمريكية ومقتدى الصدر الذي يعتبر دوره هام ولكنه متذبذب وكذلك الأكراد الذين يرون في إسقاط صدام فرصة لنيلهم الحكم الذاتي أو حتى الإستقلال ، أما العرب السنة فهم الطرف الخاسر في رأي المؤلفه لأنهم كانوا في سدة الحكم لمدة تزيد على أكثر من 80 عام وفجأة وجدوا أنفسهم على هامش الأحداث في ظل الثقل الكردي والشيعي . وهي لا تهمل دور المقاومة وقدرتها على الإخلال بالأمن وبضرب القوى الأخرى . وتذكر المؤلفه كيف أن الحكومة الأمريكية ناقشت قضية التدخل في الإنتخابات العراقية لترجيح كفة المؤيدين للولايات المتحدة الأمريكية وذلك بتقديم ملايين الدولارات وقد إعترضت هي على هذا الإقتراح الذي طرح في وزراة الخارجية الأمريكية لأنه يتعارض مع حرية الشعب العراقي وتشير إلى تأثير آية الله السيستاني بإعتراضه على أي صيغة من صيغ إقتسام السلطة أو كتابة الدستور قبل إجراء الإنتخابات وقبول الإدارة الأمريكية بذلك . وتتحدث عن الفساد الذي تفشى في النظام الجديد من خلال صفقات بيع النفط الذي أصبح عرضة للنهب بسبب غياب السلطة المركزية .

وتتحدث المؤلفة عن تنظيم القاعدة كتحدي أساسي للسياسة الأمريكية في المنطقة مؤكدة أن مواجهته لايمكن أن تكون بالقوة العسكرية وحدها و إنما كذلك بمحاولة تجفيف منابعه وتفتيت جبهته الداخلية وتقليل مؤيديه بإيجاد قنوات مع كثير من عناصره والمرشحين للإنظمام إليه من أجل إقناعهم بأن العنف لايخدم الإسلام أي أن المطلوب هو تغيير العقول الإسلامية لترفض تنظيم القاعدة ولا تنسى المؤلفه أن تقترح توفير الوظائف لبعض عناصره لإستمالتهم ، وفي نفس الوقت لا تتردد في القول بأن المسلمين لا يكرهون الحرية ولكنهم يكرهون السياسات الأمريكية في المنطقة أو تجاه المسلمين بوجه عام وتستشهد بمعاملة المسلمين في أبوغريب وجوانتانمو وغيرها من التجاوزات في حق المسلمين التي ستظل عالقة في أذهان العرب والمسلمين وهم يقيمون دور الولايات المتحدة في المنطقة وتجاه الإسلام وترفض الدعوات التي ظهرت في الولايات بعد أحداث سبتمبر مطالبة بإستخدام التعذيب للحصول على المعلومات من السجناء مستشهدة بقول السناتور مكين بأن هذا السلوك سيستخدمه الآخرون في حق الأمريكان . بعد ذلك تؤكد المؤلفة على فرحتها بإنتهاء الصراع مع الشيوعية بإنتصار الولايات المتحدة إلا أنها غير واثقة من نتيجة الصراع مع القاعدة لأن ذلك سيتحدد بما يحدث في العالم الإسلامي بأكمله خاصة كما تقول في السعودية بثقلها النفطي والعقائدي .

وفي حديثها عن المعضلة التي تواجهها السعودية تشير المؤلفه إلى أن هذه الدولة تتحمل مسؤولية كثير من العنف خاصة الذي مارسته القاعدة حتى ولو كانت الحكومة لم تكن تقصد ذلك . لذلك فإنها تطالب السعودية بالإنفتاح خاصة في مناهجها وفي معاملتها للمرأة وفي دعمها للمدارس الإسلامية والهيئات الخيرية وفي إنفاقها على المشاريع الدعوية بوجه عام أي أنها لا تخفي رغبتها في تجفيف منابع الإسلام . فعلى سبيل المثال تقول المؤلفه إن الملك فهد الذي كان يحبذ أن يلقب بحامي الحرمين بدل الملك في السنوات الأخيره من حياته كان يفتخر كما تقول بإنجازاته التي تقلقها هي والتي تتمثل في إنشاء 210 مركز إسلامي في العالم و1500 مسجد و200 كلية وتقريبا 2000 مدرسة ، نعم هذه الأعمال تقلق السيدة أولبرايت لأنها كما يبدوا تعتبر كل وسيلة ينتشر بها الإسلام هي نوع من أنواع الإرهاب ناسية أو متناسية أن الولايات المتحدة وحلفائها خاضوا حروبا مدمرة في فيتنام وكمبوديا وكوريا وبقية العالم كل ذلك من أجل التمكين للرأسمالية ومعها طبعا مصالح الغرب بما في ذلك الكيان الصهيوني ونحن لانستغرب هذا الحديث من المؤلفة لأن ما تقوله هو صدى القوة التي تحكم بها الولايات المتحدة عالم اليوم وليست المباديء التي تصرح بها علما أن أغلب قيادات القاعدة كما تشير إلى ذلك الإستخبارات الأمريكية وغيرها من مصادر المعلومات هم من خريجي الجامعات الغربية وليسوا من خريجي المدارس التي تحدثت عنها المؤلفة .

ولا يفوت المؤلفة أن تؤكد على ضرورة إنتشار الديمقراطية في العالم العربي وإلا فإن هذه المنطقة ستظل مأزومه ومصدر قلاقل ولا تتردد في إنتقاد الرؤية الأمريكية التي تقول بأن الديمقراطية في الدول العربية ستأتي بالتيارات الإسلامية المعادية للولايات المتحدة وتستشهد على ذلك بما قاله جميس بيكر من أن الولايات المتحدة سعت لإستبعاد الإسلاميين من الإنتخابات وعندما فازوا في الجزائر وقفت الإدارة الأمريكية ضدهم لأنها تعتقد كما يقول بيكر أن إنتخابهم ليس في صالح الولايات المتحدة . وتشير إلى أنه بينما رأت الولايات المتحدة في أحداث سبتمبر مؤشر على غياب الحريات في العالم العربي كان نظام الرئيس مبارك يعتقد أن هذه الأحداث تبرر إستخدامه للعنف والإضطهاد ضد الإسلاميين . ولكنها كذلك لاتؤمن بأن الديمقراطية يجب أن تفرض أو تصدر وإنما يجب أن تنموا في ظل معطيات كل مجتمع .

موضوع آخر تعرضت له المؤلفة في كتابها هو الأقليات المسلمة المتنامية في المجتمعات الغربية وشكوك كثير من الغربيين في قدرتها على الإندماج في النسيج الغربي خاصة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر مما أدى إلى ظهور رؤيتان في تلك المجتمعات في ما يتعلق بكيفية التعامل مع هذه الأقليات . فهناك من يعتقد أن الحوار ومعالجة قضايا العنصرية التي تمارس ضد هذه الجاليات قد يساعد على إستيعابها وأبعادها عن ممارسة العنف بينما هناك المدرسة الأخرى التي لاترى جدوى من هذا السلوك وتفضل تقييد الحريات والمراقبة لهذه الأقليات حتى ولو كان ذلك على حساب مباديء الحرية التي تقوم عليها تلك المجتمعات خاصة وأن الجيال الجديدة من هذه الأقليات هي أكثر تمسكا بالمباديء الإسلامية وبالتالي أقل إستعدادا للأنصهار في المنظومة القيمية الغربية . غير أن المؤلفة تتمنى أن لا يطغى الرأي الأمني على مباديء الحرية . ومن الجاليات المسلمة في الدول الغربية تنتقل المؤلفة إلى جهود تركيا للإنظمام إلى المجموعة الأوروبية وهو أمر تشجعه المؤلفة لأن فيه إنجاح لمباديء أتاتورك العلمانية وتجنب تحول تركيا إلى دولة إسلامية معادية للغرب غير أنها تذكر المحاذير التي يطرحها الأوروبيين بأن تركيا لا يمكن أن تندمج في الغرب خاصة بتراثها الإسلامي كقول الرئيس الفرنسي الأسبق جيسكار ديستان بأن إنظمام تركيا إلى المجموعة الأوروبية يعني نهاية المجموعة وكما صرح برليسكوني ، رئيس وزراء إيطاليا السابق، بأن الحضارة المسيحية هي أفضل من الدول الإسلامية وكما قال البابا الحالي بندكت قبل أن يتقلد منصبه بأن تركيا كانت دائما تمثل قارة أخرى مختلفة عن أوروبا . ولكن المؤلفة تبقى متفائلة بأن قبول تركيا في المجموعة الأوروبية فيه حفظا لمصالح أوروبا والولايات المتحدة معا .

وتتحدث المؤلفة عن تزايد الصراع الديني بين المسيحيين والمسلمين في إفريقيا وتركز خاصة على السودان نيجيريا ولا تخفي موقفها المعارض للقيادات السياسية المسلمة في كل من الدولتين وتختم كتابها بدعوة إلى تقارب الديانات بدل صراع الحضارات لأن المشترك بين هذه الديانات كما تقول هو كثير وجدير أن تؤسس عليه علاقة ودية بين أتباع هذ الديانات في السنوات القادمة بدل الإستمرار في المواجهات الدموية .

وفي الختام لنا كلمة :

إن الوضوح في آراء مؤلفة الكتاب جعلنا أقل حاجة إلى القراءة ما بين السطور ولذلك فقد رأينا أن نترك القاريء يتأمل بنفسه مواقف الغرب تجاه أهم قضيتين بالنسبة للعرب والمسلمين وهما القضية الفلسطينية والصحوة الإسلامية .

Copyright @2006 Darussalam
http://darussalam.ae/content.asp?ContentId=913